1.png 2.png
**صنداي تليجراف البريطانية تفتري الكذب على الشيخ الدكتور هاني السباعي * وإعلام الضلال العربي يصدقها كالببغاء* ولا يكلف نفسه التأكد من مدى مصداقية جريدة صنداي تليجراف المعادية للمسلمين **
القائمة الرئيسية
bullet.gif الصفحة الرئيسية
bullet.gif مركز المقريزى الاعلامي
bullet.gif مكتبة المقريزي
bullet.gif مــقـــــــــــــــــالات
bullet.gif كــتـــــــــــــــــــــب
bullet.gif أخــبـــــــــــــــــــار
bullet.gif واحـة المنوعـــات
bullet.gif خُــطـــــــــــــــــــب
bullet.gif حـــــــوارات مكتوبة
bullet.gif بــيـــانـــــــــــــــات
bullet.gif شــعــــــــــــــــــــر
bullet.gif المركز
bullet.gif المدير العام د. هاني السباعي
bullet.gif سجل الزوار
bullet.gif مواقع
bullet.gif اتصل بنا
كتاب مجزرة رابعة‎

bullet.gif كتاب مجزرة رابعة‎
المقريزي موبايل

bullet.gif موقع المقريزي على موبايل
مركز المقريزى الاعلامي
ملفات في الموقع
bullet.gif محاضرات البالتوك

bullet.gif هل الموسيقى حرام؟

bullet.gif ملف الشهيد سيد قطب

bullet.gif القوس العذراء.. رائعة العلامة محمود محمد شاكر

bullet.gif اللقاء مع أعضاء منتديات شبكة الحسبة
مركز التحميل
bullet.gif حمّل المجموعة الكاملة للدكتور هاني السباعي ( مقالات - تحليلات - بحوث - أجوبه )تحديث 03-10-2008

bullet.gif حمّل مجموعة الحوارات التلفزيونيه للدكتور هاني السباعي
كتاب ننصح به
هاني السباعي على تويتر
سجل الزوار


مشاركات الزوار


إضافة مشاركة في سجل الزوار

إضغط هنا

قصة الجهاد (جريدة الحياة اللندنية)
قصة الجهاد (جريدة الحياة اللندنية)


تنبيه: هذا الحوار سجل مع الدكتور هاني السباعي قبل نشره في جريدة الحياة اللندنية بشهر حيث نشر من 1 /9 / 2002 حتى 4 /9 / 2002 بمناسبة مرور عام على أحداث سبتمبر الشهيرة.. كما نود أن نضيف أنه كان من المقرر أن ينشر هذا الحوار على مدار أسبوع أي سبع حلقات لكن جريدة الحياة اختصرته إلى أربع حلقات فقط.. وقد عرضت بعض دور النشر طبع هذه الحلقات في كتاب مستقل لكن الشيخ هاني السباعي اعتذر حتى يعيد كتابتها مرة أخرى ويضيف ما لم تنشره الجريدة عندما يتيسر له ذلك إن شاء الله تعالى.. (مركز المقريزي).

قصة الجهاد (جريدة الحياة اللندنية)
حلقة 1 من 4
هاني السباعي وقصة ( جماعة الجهاد )
يروي الإسلامي المصري السيد هاني السباعي في حلقات تنشرها (الحياة), بدءاً من اليوم, تفاصيل عن علاقات الجماعات الإسلامية المصرية, وتحديداً (جماعة الجهاد) و(الجماعة الإسلامية). ويتحدث عن الأدوار التي لعبها زعيم (الجهاد) الدكتور أيمن الظواهري منذ خروجه من مصر أواسط الثمانينات الى باكستان وأفغانستان حيث أعاد تأسيس جماعته. كذلك يتناول محاولات الوحدة التي حصلت مع (الجماعة الإسلامية) في أفغانستان والسودان, عارضاً بالتفصيل أسباب فشلها. كما يروي أيضاً قصة الإنشقاقات التي تعرّضت لها (جماعة الجهاد) في السودان, وسبب طرد الظواهري من الخرطوم في 1996, وكيف انتهى به المطاف لينضم مع أسامة بن لادن ضمن (الجبهة الإسلامية العالمية) في أفغانستان.
وتتهم السلطات المصرية السباعي بأنه أحد قادة (جماعة الجهاد), وهو أمر ينفيه. وعليه حكم غيابي بالسجن أصدرته محكمة عسكرية مصرية في قضية (العائدون من البانيا) في 1999. ويعيش حالياً لاجئاً سياسياً في بريطانيا.
الإسلامي المصري هاني السباعي يروي قصة تأسيس ( الجهاد ) ودور عبدالسلام فرج في الوحدة مع ( الجماعة ) واغتيال السادات ( 1 من 4 )
الظواهري هو الأمير الأول ل ( جماعة الجهاد ) . . . و ( الجماعة الإسلامية ) إختراع قديم ل ( الإخوان )

(جماعة الجهاد)
ظهرت جماعات جهادية عدة بدءاً من حقبة الستينات. لكن (جماعة الجهاد) تحديداً ظهرت على يد الدكتور ايمن الظوهري. وقد سمعت ذلك منه شخصياً. سألته: ما الذي أثّر فيك لتكوّن هذه الجماعة? ما الذي دفعك الى تأسيس هذه المجموعة, وقد كنتم لا تزالون فتياناً في الثانوية العامة في مدرسة المعادي? قال لي إنه تأثر أول ما تأثر بكتابات سيد قطب وحادثة الحكم بإعدامه (1966). تأثر بمشروع هذا الرجل (قطب) من خلال القراءات والكتابات البليغة والوضوح في تشريح الواقع. وصف الدكتور أيمن سيد قطب بأنه مثل الطبيب الشرعي الذي يشرّح الجثة بمهنية وتقنية عالية وكأنه يعرفها بأدق تفاصيلها.
(...) إذن بدأ هذا المشروع تأثراً بسيد قطب وبشيء آخر حكاه لي الدكتور وهو انه كان يذهب الى مكتبة جده شيخ الأزهر القديم الشيخ الاحمدي الظواهري ويقرأ في الكتب القديمة. يقرأ نتفاً من هنا ونتفاً من هناك ويقلّب الكتب. من خلال قراءاته هذه تعمّق عنده روح التديّن. وبما انه من أسرة ثرية ميسورة فكان يستطيع ان يشتري كتب سيد قطب. بيئة الدكتور كانت بيئة ثقافة. فالدكتور عبدالوهاب عزام باشا الذي كان سفيراً في باكستان, هو الذي ترجم شعر الشاعر الشهير محمد إقبال الى اللغة العربية, وكان يتحدث لغات عدة وهو الذي شرّح شعر المتنبي في ديوان شهير له, وله كتابات عديدة. وكان الدكتور ايمن يتكلم عنه كثيراً ويحبه.
سألت الدكتور أيمن كيف أسس جماعته, وقلت له ان الناس تحكي ان الذي أنشأها هو نبيل البرعي ومعه المهندس اسماعيل طنطاوي وبعض الإخوة الآخرين وأنت كنت بينهم. فرد بالحرف الواحد: أنا الذي كنت أميراً على هذه المجموعة بمن فيهم الدكتور سيد إمام (صاحب كتاب طلب العلم). قال ان المجموعة التي تشكّلت في ناحية المعادي, ضمّت طلبة في الثانوية كانوا يذهبون الى المسجد معاً كونهم يعرفون بعضهم بعضاً من المدرسة. في تلك الفترة اجتمعوا وكوّنوا أول خلية لنواة جماعة صغيرة واختاروه (الظواهري) أميراً للمجموعة الصغيرة التي ضمت الدكتور أيمن ونبيل البرعي واسماعيل طنطاوي والدكتور سيد إمام وغيرهم. كانوا في الثانوية العامة في المعادي, ومعظمهم من أبناء هذه المنطقة الراقية. قال لي الدكتور ان تأسيس المجموعة حصل في العام 1968, وانهم كانوا يذهبون في تلك الفترة الى مسجد الكيخيا في منطقة عابدين بالقاهرة. كان هناك مسجد لجماعة أنصار السنّة, وهي جماعة تركّز على التوحيد وتهتم بالعقائد وتحارب البدع والقبور والطواف حولها.
كان الدكتور أيمن يتردد على مسجد (أنصار السنة) ويلتقي ورفاقه هناك حيث يستمعون الى الدروس الدينية ويحضرون حلقات التجويد. كانت تلك البداية: جلسة يقرأون فيها القرآن ويتعلمون التجويد على يد أحد المشايخ, ثم من يحترف منهم القرآن وتجويده يُعلّم إخوانه. ثم يقرأون كتب التفسير. وبعد ذلك بدأوا يقرأون كتباً طُبعت في (المكتبة السلفية) مثل كتب إبن تيمية الذي أثّرت فتاويه فيهم تأثيراً كبيراً, بحسب ما قال لي الدكتور.
كانت تلك الجماعة (جماعة الظواهري) بسيطة لا يتجاوز منظورها كيف ننظر في أمر ديننا وكيف يحصل الخلاص. وكانت هزيمة الحرب الشهيرة في 5 يونيو (حزيران) 1967 عزّزت اقتناع اعضاء المجموعة بضرورة العمل من أجل التغيير. فقد قال لي الدكتور انهم شعروا في تلك الفترة, وهم لا يزالون في سن الشباب, بالخجل والعار على هذه الفضيحة, وكانوا يقرأون لبعض الناس الصالحين الطيبين الذين قالوا ان السبب في كل هذه الخسارة هو غياب الشريعة عن الحكم.
كل هذه العوامل أثّرت تأثيراً كبيراً في اتجاه تبني مشروع إسلامي. لكن كيف يتم تنفيذ هذا المشروع في ظل هذه الدولة المتوحشة الكبيرة التي لها مؤسسات وجيش وقوات أمن ومؤسسات, لم يكن ذلك قد تبلور بعد.

وفاة عبدالناصر
وكانت وفاة (الرئيس جمال) عبدالناصر بمثابة الإنطلاقة للتيار الإسلامي والفرج الذي أتى (الإخوان المسلمين) الذين كانوا يعانون محنة السجون. بعد وفاته بدأت فترة اصطُلح على تسميتها (الانفتاح). وكانت فعلاً فترة انفتاح عام في السبعينات, لكنه كان فوضوياً. فكّر أنور السادات في كيف يبني شعبيته ويتخلص من خصومه. فهؤلاء يستطيعون تحريك الشارع بتظاهرات قد تقود الى ثورة تطيحه بين عشية وضحاها. فوجد ضالته في الإسلاميين. وهؤلاء كانوا (الإخوان المسلمين) لأنهم كانوا القوة الكبيرة المحرّكة للناس لكن مشكلتهم ان معظمهم يقبع في السجون. فأفرج عنهم وترك لهم الحرية ليفعلوا ما يشاؤون. بدأ الإخوان بالعمل على التحكم من كوادر المجتمع والتغلغل في الجامعات والنقابات. ألّفوا كتباً في التنديد بعبدالناصر وكشف مصائب نظامه. بدأت مظاهر الشارع تتغيّر. كانت الستينات فترة (الهيبيز) والفوضوي, لكن فجأة بدأ ظهور الحجاب والنساء المنقبات واللحى والقمصان البيض للرجال.
وهكذا قاد الإخوان المد الإسلامي في تلك الفترة. لكن السادات كان واضحاً في انه لم يرد ان يدخل (الإخوان) الى الجامعات المصرية بوصفهم جماعة (الإخوان المسلمين). لذلك اخترعوا إسماً جديداً هو (الجماعة الإسلامية) في الجامعات, أو ما يسمى (إتحاد الطلاب). دخلوا اتحاد الطلاب عبر اسم (الجماعة الإسلامية), لتكون مقبولة للنظام ولا يصطدموا به إذا أصرّوا على إسم (الإخوان المسلمين). أصدرت (الجماعة الإسلامية) كتباً ومنشورات مثل (صوت الحق) و(صوت الجماعة الإسلامية), وانتشرت اتحاداتها الطلابية في كل الجامعات, وكان لكل جامعة أو كلية (أمير), وكان (امراء الجامعات) يعقدون اجتماعاً كل يوم خميس, غالباً ما يحصل في القصر العيني بكلية الطب في القاهرة. هذا كان في الوجه البحري. أما في الوجه القبلي, فكان إسم (الجماعة الإسلامية) هو أيضاً الذي اتبعه (الإخوان) وعملوا من خلاله في جامعة أسيوط.

جماعة الجهاد
وكانت مجموعة الدكتور أيمن منشغلة آنذاك (فترة السبعينات) في التدريس وتجنيد الأفراد وتوسيع العضوية. وهم كانوا في تلك الفترة يركّزون على الجيش ويبحثون عن الضباط لأنهم يعرفون ان الجيش هو أسهل ورقة للتغيير بدون اهدار دماء. وفي هذا الإطار, تعرّف الدكتور على عصام القمري رحمة الله عليه. هناك ضباط إسلاميون دخلوا الى الجيش كضباط عاديين ولكن حصل لهم تحوّل إسلامي بعد دخولهم القوات المسلحة. أما عصام القمري فإنه يختلف عن هؤلاء. فهو نجح في الثانوية العامة بمجموع عال لكنه قال لوالده انه يريد ان يدخل الكلية الحربية ليقتل رئيس الدولة ويخطط للقيام بإنقلاب. دخل الجيش من أجل هذا المشروع. التزامه سبق دخوله الجيش. وهو لم يتزوّج, إذ كان عازفاً عن موضوع الزواج ويقول ان الزوجة ستضرّني لأنها ستكون أداة ضغط عليّ. لما خطط للهرب من السجن (بعد اعتقاله في الثمانينات) قال له أحد الأخوة: أريد ان اهرب معك, قل لي متى ستهرب. فرد عليه: إذا أردت ان تهرب معي, (سرّح) (طلّق) زوجتك عندما تأتي لزيارتك في المرة المقبلة. وهكذا لا يمكنهم ان يعتقلوها للضغط عليك بعد فرارك. (...) وقد قُتل (القمري) رحمة الله عليه وهو على هذه الحال (غير متزوج).

التدريب
إذن كانت الجماعات الجهادية تظهر لكن لم يكن هناك رابط عضوي في ما بينها. استغلت الجماعات المختلفة مناخ الهدوء وكان اعضاؤها يذهبون الى صحراء دهشور في منطقة دهشور (بعد الهرم) للتدرب على الرماية والسلاح وبعض الأمور البسيطة الأخرى (القتال). كان التدريب يتم قرب القاهرة خصوصاً في دهشور وطفت الخطاطبة, في حين كان التدريب في الصعيد يتم في المناطق الجبلية.
كان يتم تدريب الناس على اساس استخدامها في المستقبل. لم تكن هناك نية للاصطدام من النظام في شكل مباشر. فنظرية الدكتور الظواهري تختلف عن الآخرين. الآخرون اصطدموا مع النظام فعلاً وكوّنوا بسرعة عملاً, لكنه كان يرى ان هذه الطريقة لن تحل المشكلة, لأنه حتى وإن نجحتَ في عملية فإن هناك عقبات أخرى ستعترض طريقك. فأنت لست متغلغلاً في الجيش وليس لك مؤيدين في المناصب الحساسة فيه. فإذا قمت مثلاً بإنقلاب فستجد نفسك محاصراً مثلاً من الحرس الجمهوري او القوات العادية وتدخل في صراع معهم وتفشل, حتى وإن انضم اليك بعض الكتائب والألوية. فالمسألة ليست مجرد إنقلاب. لا بد ان يحصل إعداد وتغلغل قوي في المؤسسة العسكرية.

عبدالسلام فرج وقتل السادات
واستمرت الجماعات التي تحمل أفكاراً جهادية تعمل في شكل منفرد حتى أواخر السبعينات تقريباً. في 1979 حصل تحالف بينها فتوحدت, وهي التي كانت مسؤولة عن قتل السادات.
حصل التوحد في وقت كان المنحنى التصاعدي في الصراع بين الإسلاميين والسادات مستمراً في الارتفاع. فبعد زيارته اسرائيل وبعد كامب ديفيد, استفز السادات مشاعر الأمة مرة ثانية بعد الثورة الايرانية في 1979 باستضافته الشاه. ووسط هذه الإجواء كان فصيل من المؤمنين بالأفكار الجهادية يخطط لقلب النظام ويرى ان الأمور تسير في مصلحته. فهو يستفيد من هذا المناخ لتجنيد الناس وتأكيد صحة فكرته في شأن الرجل (السادات).
شعر السادات بأن الأجواء لا تسير لمصلحته وان الشارع يمكن ان ينقلب ضده, فاستخدم وسائل الإعلام التي استعملت مصطلح الخمينية على الثورة الايرانية. وبدأ الكلام عن الخمينيين وكيف انهم يسبون الصحابة, واستُخدم موضوع المذهبية كون مصر سنية وايران شيعية.
في هذا الوقت حصلت حادثة الزاوية الحمراء, إحدى مناطق القاهرة. بدأت صراعاً على قطعة أرض بين المسلمين والنصارى. سوّر المسلمون قطعة الأرض وأقاموا فيها مكاناً لتعليم القرآن والصلاة. وكان هناك كمال عياد, وهو نصراني يملك رشاشاً آلياً ويسكن أمام قطعة الأرض. تضايق من هذا المنظر, فنزل وأطلق النار على الأولاد الذين يدرسون هناك فقُتل بعضهم. هاج الناس البسطاء وظهرت فتنة طائفية. بدأ الكلام عن ان النصارى المسيحيين يقتلون المسلمين داخل المسجد.
ذهبتُ يومها الى مسجد النذير حيث وقعت الحادثة. وكان يشبه ساحة معركة عسكرية: البيوت محروقة, ترتفع عليها شعارات مختلفة من كل طرف. المحلات محطمة ومحروقة. قوات الأمن منتشرة في كل الطرق المؤدية الى الزاوية الحمرا, كأنها قاعدة عسكرية. صلّينا هناك وبتنا في المسجد. كانت الناس تأتي من كل مكان: حتى من أسيوط وأسوان. كانوا يأتون الى (الملحمة الكبرى). كانوا يريدون حماية المسجد.
الذين قاموا بالأحداث كانوا اشخاصاً عاديين. بعضهم كان يجلس في المقهى يشرب الشيشة فسمع ان النصارى يقتلون المسلمين, فهب للدفاع عنهم. وامتدت الأحداث الى منطقة الوايلي, وكانت بالغة الشدة. وزير الداخلية في ذلك الحين كان النبوي اسماعيل. وقد تدخلت وسائل الإعلام في الموضوع وكتبت ان هناك دولة داخل الدولة وان النصارى يُقتلون. قلبوا القصة: كانت الحكاية ان كمال عياد هذا هو الذي بدأ بإطلاق النار, فما كان من وسائل الإعلام إلا ان قلبت الموضوع وبيّنت ان قوات الأمن غضّت الطرف وتركت المسلمين يقتلون المسيحيين ويحرقون بيوتهم. في النهاية تبيّن ان المسلمين عندما دخلوا المنازل للإنتقام, لم يجدوا سوى النساء والأطفال فلم يمسّوا بهم. دخلوا البيوت فعلاً ليقتلوا إنتقاماً للقتلى المسلمين, لكنهم لم يجدوا سوى النساء والأطفال. وأنا ما زلت أذكر هذه الأحداث جيداً.
استخدمت الدولة بعض العلماء لتهدئة الوضع. فأحضرت المرشد العام للإخوان المسلمين الشيخ عمر التلمساني وبعض الدعاة. ولكنك كنت تشعر وانت تعيش الأحداث ان هناك يداً خفية تحرّكها ولها رغبة في إثارة الموضوع بهذه الطريقة. إذ كادت الأمور تمتد وينفلت زمام الأمور من الدولة بعد حصول استفزازات في بعض المدن.
الجماعات الجهادية كانت موجودة في تلك الفترة وكان بعض أطرافها موجوداً في تلك الأحداث. قالوا: بما ان العملية تحتاج الى تسليح, والدولة تتركنا بدون حماية, والنصارى معهم أسلحة ويخزّنونها في الكنائس وبعضهم كان معه خناجر - إذ دخلوا على قسيس في شقته فوجدوا معه خنجراً وتبيّن لهم انه يلعب كاراتيه. يا مصيبة! - فقالوا: بما ان الدولة تشجع النصارى, يجب علينا ايضاً ان نتسلح وندعو الناس الى التسلح.

توحد الجماعات
في تلك الاجواء وقبلها تلاقت الأفكار والإرادات بين الجماعات الجهادية. إذ ظهر محمد عبدالسلام فرج, عليه رحمة الله, بعدما قبضت السلطات آنذاك على تنظيم في الاسكندرية يدعى تنظيم (الجهاد) من بين قادته البارزين ابراهيم سلامة, رحمة الله عليه. وكان اعضاء هذا التنظيم يعرفون الدكتور أيمن وكانت لهم علاقة مع نبيل نعيم وعصام القمري, عليه رحمة الله. وعلى رغم كشف التنظيم, لم يُعتقل محمد عبدالسلام فرج وحصل ان عُيّن مهندساً في جامعة القاهرة. وكان مسكنه قريباً من بولاق وتزوج من هناك.
فرج رجل ظُلم حياً وميتاً. ظلمه أقرانه وأخوانه وأتباعه. هو الذي أحيا فيهم أفكاراً. الكتب كانت موجودة أمامهم. لكنه هو الذي قرأ وبحث وخرج بكتاب (الفريضة الغائبة) الشهير. إذ كان يدعو الى الجهاد على أساس انه الفريضة الغائبة وان ما ترك قوم الجهاد إلا ذلّوا. واستشهد بمجموعة من الأدلة الشرعية. والجديد عنده أيضاً انه رد على الجمعيات الخيرية والمؤسسية التي كانت تثير شبهات تتعلق بقضية تبني مشروع قضية الجهاد. قال لهم: عندما يأتي موسم الحج تذهبون الى الحج وتقرأون في فقه الحج. وإذا جاء رمضان تقرأون في فقه رمضان. وفي الزكاة تقرأون عن الزكاة. أما الجهاد, فلا تتكلمون عنه على رغم ان الحكم الإسلامي غير مطبق والسلطة مغتصبة. كانت هذه الأمور موجودة في ذهن بعض الناس, لكنها لم تكن مجمّعة في كتاب مثل كتابه الصغير (الفريضة الغائبة).
تعرّف عبدالسلام فرج الى أخ يدعى شعبان عبدالعاطي من بولاق. وعرّفه هذا الى كرم زهدي, وكان هذا مسؤول (الجماعة الإسلامية) في الصعيد. والجماعة الإسلامية في تلك الفترة لم تكن بالمعنى الإصطلاحي الحالي المعروف بعد قتل السادات. كان الأخوة في الصعيد لهم نظام يختلف عن النظام في الوجه البحري. كانت عندهم فكرة تغيير المنكر بالقوة, وكانت لهم مشاكل كثيرة مع النصارى هناك. لكن لم يكن اسمهم (الجماعة الإسلامية) بالمعنى الرائج الآن. يقول بعضهم الآن في كتاباته, للأسف, ان الجماعة الإسلامية تأسست بهذا الإسم. لكن هذا الإسم إختراع قديم لـ(الإخوان المسلمين) اعتمدوه ليدخلوا الجامعات ومن ضمنها جامعة أسيوط والمنيا. لكن إخواننا في (الجماعة الإسلامية) أرادوا ان يرثوا الإسم لأنه كان إسماً معروفاً ومشهوراً.
تقابل محمد عبدالسلام فرج مع الاخوة هؤلاء (الجماعة الاسلامية في الصعيد), ثم تعرف الى طارق الزمر ونبيل المغربي (جماعة الجهاد في القاهرة), وعرض فكرته لإقامة (الدولة الإسلامية). مثّل ذلك جديداً لا يذكره إخواننا الذين يتحدثون عن تاريخ الحركة الإسلامية الجهادية, خصوصاً الذين تتدخل عندهم العاطفة والولاء القبلي. فالجماعة الإسلامية, مثلاً في الصعيد أو الوجه البحري ومناطق أخرى, كانت تضم جماعات حسبوية. لم يكن في تصورهم مشروع إقامة دولة إسلامية. محمد عبدالسلام فرج طرح جديداً هو إقامة دولة إسلامية متكاملة. الإخوة (في الجماعة الإسلامية) يقولون إننا كنا جماعة, لكنها كانت عبارة عن مجموعة من الأشخاص يقومون بنشاطات في الجامعات مثلاً او يدعون النساء الى ارتداء الحجاب ومنع الاختلاط ويقومون بمشاكل مع النصارى في مناطقهم. لم تكن مسألة قيام الدولة قائمة في تصورهم. أقصى ما كانوا يعملون عليه هو تطبيق بعض المفاهيم الإسلامية في المناطق التي ينشطون فيها. فجاء عبدالسلام فرج وتكلم عن مشروع لإقامة الدولة وطرح الشبهات المثارة حوله ورد عليها. استدل بحادثة تاريخية لا اعتقد ان أحداً في الحركة الإسلامية قبله لجأ اليها. طرح موضوع التتار, وطبّقها على واقعنا. فالتتار كانوا أسلموا لكنهم لم يطبّقوا الإسلام بل جاؤوا بقانون من عندهم سمّوه الياسق. كُتب إبن تيمية عن هذا الموضوع كانت موجودة, لكن أحداً لم يُطبّقها على واقعنا حتى قام بذلك عبدالسلام فرج. وكل كتابات الحركة الجهادية المتوافرة الآن تُعتبر بمثابة (عيال) على كتاب (الفريضة الغائبة). إذ لم تأت بجديد عليه, بل بتوسعات فقط.
استطاع فرج من خلال عمله هذا استقطاب شباب كثيرين. وهو كان يقيم الحجة بنفسه, فهو صاحب المشروع. فأقنع كثيرين بمشروعه وبينهم عبود الزمر - الذي كان التزم قبل سنة من مقابلته مع فرج. إذ التزم عبود الزمر عام 1978, واللقاء بينهما تم سنة 1979.
ثم التقى الأخوة في مجموعة الصعيد: من أسوان واسيوط وقنا, وكوّنوا ما يُسمى بـ(مجلس الشورى) وهو الذي اتحد مع مجموعة عبدالسلام فرج المُشكّلة. تلاقت المجموعتان مع بعض. الرجل (فرج) كان مؤدباً ومتواضعاً ولم يشأ ان يقول لهم إنني الأمير, على رغم ان هذا هو وضعه في الواقع. ولو لم يكن ذلك صحيحاً, فلماذا استأذنه خالد الإسلامبولي وعرض عليه هو بالذات فكرة قتل السادات. عندما سُئل خالد الإسلامبولي, رحمة الله عليه, في التحقيقات وقالوا له: لماذا ذهبت الى محمد عبدالسلام فرج بالذات? أجابهم: لأن الرجل فقيه. كان الناس يأتون اليه من الصعيد والمناطق الأخرى. فلو ان أحداً غيره كان هو المسؤول, لكانوا ذهبوا اليه وليس الى عبدالسلام فرج.
فرج كان الأمير العام والمسؤول عن كل التخطيطات التي جرت في تلك الفترة. مثلاً الأسبوع الذي سبق مقتل السادات: فرج هو الذي جلب إبر النار (الخاصة برشاشات العسكريين المشاركين في العرض العسكري الذين نفّذوا الهجوم على الرئيس المصري). وهو الذي جاء بالقنابل. خالد الإسلامبولي لم يأت بشيء من الداخل (داخل الجيش), إذ قال لفرج انه لا يستطيع ان يُدخل شيئاً (الى مكان العرض العسكري), فالمخابرات تمنع ذلك. فأحضر فرج كل ما كان يحتاجه منفذو العملية (ذخيرة حيّة).
والذين قُبض عليهم في الوجه البحري وعُثر عندهم على الأسلحة المُخبّأة, لم يكونوا من الصعيد. كل الذين اشتركوا في العملية كانوا من الوجه البحري. لم تفشل عملية قتل السادات على رغم ان نبيل المغربي قُبض عليه وعُذّب لكنه لم يقل ان السادات سيقتل في 6 اكتوبر, على رغم انه كان يعرف بالعملية. فهو الذي رسم خطة إذاعة البيان (بعد قتل السادات) من مبنى الإذاعة والتلفزيون, وهو الذي جنّد لهذه الغاية المذيع في الإذاعة والتلفزيون محمد البلتاجي رحمه الله والذي كان يُفترض ان يقرأ البيان. قابله هو ومحمد عبدالسلام فرج في منشية البكري واقتنع بأفكار فرج وكتب له البيان الذي كان سيلقيه عبر الإذاعة والتلفزيون. وقد عُذب حتى الموت, رحمة الله عليه, بعد ذلك في سجن الاستئناف.

دخول الظواهري على الخط
هذا يُبيّن لنا ان فرج لعب دوراً محورياً في توحيد الجماعات وخطة اغتيال السادات. وكان في تلك الفترة ان دخل على الخط أيضاً الدكتور أيمن. إذ ظهرت مجموعة يقودها سالم الرحال والتقى افرادها مع إخوة يعتقنون الافكار نفسها وطلبوا التعرف على عبدالسلام فرج. وتقابل الدكتور (أيمن) مع عبود الزمر, وناقشه في بعض الأمور, إذ كانوا يخشون ان يحصل رد فعل عكسي كبير من السلطة ويخشون انكشاف التنظيم. وتسلّم الدكتور صندوقاً يحوي قنابل وصواريخ (آر بي جي) واخفاه في عيادته قبل ان ينقله الى بيت الشيخ نبيل البرعي.
كل هذه الخيوط تداخلت مع بعضها. وكان هذا التوحيد العام الظاهري كله بسبب الغليان الذي تعيشه مصر في تلك الحقبة. فالسادات كان يشن حملة على العديد من العلماء. فوصف الشيخ حافظ سلامة - وهو بطل من أبطال المقاومة في مدينة السويس ونال وسام الطبقة الأولى - بأنه (الجدع المجنون بتاع السويس). وقال عن الشيخ المحلاوي (أهو نايم زي الكلب) في السجن. وظل يوزع الشتائم لكل من ينتقده. فحصل غليان في المقابل. فقرر الناس (الجماعات) ان لا بد من التخلص منه, خصوصاً بعد أصدر السادات (5 قرارات سبتمبر 1981) (اعتقال 1536 شخصاً) وتضمنت اسماء بعض الاخوة. ثم حاول الأمن ان يقبض على محمد عبدالسلام فرج, فأصيب في رجله وفر. وكان يقود دراجة نارية (موتوسيكل) ويفر من مكان الى آخر. لكنه استطاع على رغم ذلك ان يوحد كل هذه المجموعات ويزرع فيها فكرة مشروع الدولة الإسلامية.
وعلى رغم كل التضييق الذي كانت تقوم به الدولة, لم تعرف بكل هذه المشاريع. وظلت الجماعات تُجنّد اعضاءها في تلك الفترة وتدربهم. ومعظم الذين تدربوا, بمن فيهم شباب الصعيد, كانوا يأتون إما الى عبود الزمر لكي يدربهم أو عباس شنن في بولاق أو نبيل المغربي. معظم الذين تولوا التدريب كانوا من الوجه البحري. وقضية مقتل السادات كانت تقريباً محصورة في الوجه البحري. جماعة الصعيد كانت تعرف بها لكنها لم تشترك فعلياً فيها.
عندما ظهرت فكرة خالد الاسلامبولي وعرضها على محمد عبدالسلام فرج تردد الأخير في البداية في الموافقة عليها وخشي ان تؤدي الى كشف التنظيم. لكنه وافق في نهاية الأمر. استشار في البدء المسؤول العسكري وهو عبود الزمر وكان مقدماً في المخابرات فرفضها لأنها ستكشف التنظيم وهو لا يريد ذلك لأنه يعتقد باستمرار المشروع على الاقل خمس سنوات ليجمع اكبر عدد من الشباب. لكن حصل إصرار على استغلال هذه الفرصة (العرض العسكري لقتل السادات) على أساس ان المنفّذين سيُقتلون بدورهم. إذ قال خالد الاسلامبولي الحراس سيقتلونه هو وعطا طايل حميدة - صديق عبدالسلام فرج من أيام الثانوية - وعبدالحميد عبدالسلام وحسن عباس, وبالتالي لن يُكشف التنظيم. وعلى هذا الاساس, وافق عبود الزمر في نهاية الامر ومشى في الخطة. وهكذا نُفّذت العملية ونجحت بقتل السادات.

قصة الجهاد (جريدة الحياة اللندنية)
حلقة 2 من 4
الإسلامي المصري هاني السباعي يروي قصة خلاف ( الجهاد ) مع ( الجماعة الإسلامية ) . . . وانتقال الإسلاميين الى أفغانستان ( 2 من 4 )

اغتيال المحجوب كشف التدريبات في أفغانستان . . . وقضية ( طلائع الفتح ) سبب الإنشقاق الأول على الظواهري
قُتل السادات في 6 تشرين الاول (اكتوبر) 1981, بعد شهر من صدور (قرارات سبتمبر) التي اعتُقل بموجبها 1536 من قيادات الشعب المختلفة, من إسلاميين ومسيحيين. وبعد اغتياله حصلت محاكمة واسعة للاسلاميين في قضية (تنظيم الجهاد) استمرت أكثر من عامين. وبعد حقبة المحاكمة, جاءت حقبة الافراج عن السجناء وحصلت فترة هدوء استغلتها الجماعات في لملمة جراحها وإعادة بناء نفسها, إنطلاقاً من أفغانستان.
الأحكام التي صدرت في قضية (تنظيم الجهاد) شكّلت مفاجأة لكثيرين. إذ أصدر المستشار عبدالغفار محمد أحمد في القضية الرقم 462 للعام 1981 حصر أمن دولة عليا, أحكاماً ببراءة 190 من أصل 302 من المتهمين. وجاءت الاحكام على الآخرين خفيفة, علماً بأن إثنين منهم توفيا في السجن.
مثّل ذلك صدمة لرجال الأمن الذين كانوا يتوقعون أحكاماً بإعدام ما لا يقل عن عشرة من المتهمين. لكن الاحكام لم تشمل الاعدام, بل حملت البراءة لعدد كبير بينهم الدكتور عمر عبدالرحمن الذي كان المتهم الاول في القضية. والمحكمة برّأته لأنه لم يكن له دور. إذ لم يشهد أحد بأنه أمر بقتل السادات. حتى في موضوع إفتائه بكفر السادات, فإن الأمر كان مبهماً - حتى في شهادة الشيخ عمر نفسها. فلم تستطع المحكمة ان تستخلص رؤية فيها, لكنها وافقت على ان الاعترافات المأخوذة كانت وليدة تعذيب واكراه, مهما كانت نتيجتها. ولذلك حوّلت الدولة سلطات الامن الجنائي المدني (قضايا الإسلاميين) الى المحاكم العسكرية لتستطيع أصدار أحكام ترضى بها.

خلافان
خلال قضاء المتهمين فترة سجنهم, برزت خلافات بينهم. تناقشوا في قضيتين. الاولى قضية اغتيال السادات, وكان هناك إجماع على ضرورة حصولها. أما الخلاف فنشأ عن ان جماعة الجهاد - اي المجموعة التي تتبنّى أفكار الجهاد - كانت ترى ان الاعتداء على مديرية الأمن في اسيوط واحتلالها عمل عشوائي غير مخطط له وكان عبارة عن رد فعل اسال دماء ما كان ينبغي ان تُسال. فحصل خلاف بينهم, إذ ان الأخوة في الجماعة الاسلامية كانوا يرون ان ما حصل صحيح. لكن حادثة أسيوط ما كان ينبغي ان تحصل. فقد قُتل السادات, وهم (الجماعة الإسلامية في الصعيد) علموا بذلك. لكنهم أصروا على القيام بعمل وذهبوا الى مديرية الأمن في أسيوط وجمعوا صفوفهم لإحداث اضطراب وبلبلة ثم احتلال المدينة. لكن كيف تحتل مدينة وانت تعرف انك ستحاصر بعد ذلك وليس عندك خطة للإكمال على بقية مديريات الامن? هاجمت الجماعة الإسلامية المديرية, لكن في النهاية استُنفدت اسلحة الشباب وتم القبض عليهم وقُتل من قُتل منهم. قُبض على عدد كبير جداً من الأخوة بعضهم كان التزم حديثاً, في الصعيد. لذلك تجد ان عدد المحاكمين من الصعيد في قضية تنظيم الجهاد كبير جداً. استنفروا الناس من باب الحماسة ودخلوا المعركة. ولو انهم اكتفوا بقضية اغتيال السادات لكان الضرر سيقدّر بقدره وانحصرت القضية بالمجموعة الاولى. لكن الحدث الرهيب الدي حصل في الصعيد أدى الى اعتقال اعداد كبيرة منهم وسجنهم. لذلك أفتى الدكتور عمر عبدالرحمن للأخوة بالصوم 60 يوماً على أساس ان ما حصل في الصعيد خطأ. طبعاً هناك من ينفي ذلك, لكن هذا حصل بشهادة شهود عدول. وهذا دليل على عدم الرؤية والوضوح. فالمسألة (عملية أسيوط) جاءت عفوية نتيجة ان اخواننا في الوجه البحري في القاهرة عملوا عملية كبيرة (قتل السادات) فيجب أن نفعل مثلهم. ونحن الآن نراجع الذات ونقف مع النفس, نرى ان هذا الحادث ضرره أكبر من نفعه, بل لا نجد له نفعاً.
كان هذا أحد خلافين في السجن. اما الخلاف الثاني فكان على إمارة الشيخ عمر. ففريق كان يرى ان الشيخ عبود الزمر باعتباره رجلاً عسكرياً ومُقدماً في جهاز المخابرات ولديه صفات القائد - وهي الحواس ومن ضمنها البصر خصوصاً - هو الأصلح ليكون أميراً. حاول إخواننا في الصعيد - قبل ان يطرحوا الشيخ عمر - إدخال شخص آخر ليكون في مقابل الأخ عبود الزمر. طرحوا الدكتور ناجح ابراهيم, وهو شخصية من الجماعة الاسلامية. لكنهم وزنوا الأمور وخلصوا الى ان كفة عبود الزمر سترجح بسبب صفاته العسكرية وغيرها من الميزات. فوجدوا ان عليهم الاتيان بشخصية لا يستطيع أحد الوقوف في وجهها. فجاؤوا بالشيخ عمر على أساس انه ازهري وشخصية علمية وروحية مرموقة, ليكون أمير الجميع.
في اثناء هذا الخلاف جلس فريق كأنه على الحياد. وفجأة فجر الرائد عصام القمري, يرحمه الله, قضية شرعية لم تكن متوقعة منه هو بصفته عسكرياً. إذ جلس القمري وأعدّ بحثاً وقرأه للناس المجتمعين في العنبر, وقال لهم انه لا تجوز ولاية الضرير. فجّر ذلك خلافاً كبيراً. إذ أصر اخواننا في الجماعة الاسلامية على ان يكون الأمير هو الدكتور عمر, فقام الآخرون وقالوا ان عبود الزمر هو الأمير. وهنا حصل الانفصال. مجموعة الهرم وبحري اختارت عبود الزمر, والمجموعة الاخرى اختارت الدكتور عمر عبدالرحمن. وكل ذلك بسبب البحث الذي قدمه عصام القمري الذي اراد ان يبيّن قول الشرع في هذه القضية. وقدمت (جماعة الجهاد) بعد ذلك بحثاً اسمه (ولاية الضرير) يعتمد بصراحة على ما كتبه عصام القمري. وقد استفاد منه لاحقاً الدكتور عبدالقادر بن عبدالعزيز (الدكتور سيد إمام, أمير جماعة الجهاد لاحقاً).
حصل الانقسام وبقي كل منهم يعمل ضمن جماعة مستقلة: إما الجماعة الاسلامية أو الجهاد. لم يكن المسجونون جميعهم ينتمون الى تنظيم موحد, على رغم انهم كانوا في قضية واحدة هي (تنظيم الجهاد) الذي ضم جميع الناس سواء كانوا (جماعة اسلامية) او (جهاد). وانتهت القضية بخروج تنظيمين من السجن: جماعة الجهاد بقيادة عبود الزمر والجماعة الاسلامية بقيادة الشيخ عمر عبدالرحمن. وقد حاول بعض الناس ان يصلحوا بين الطرفين ويوحدوهما, ولكن دائماً كانت تبوء المحاولات بالفشل لأسباب كثيرة.

لملمة الجراح
بدأ خروج السجناء في منتصف الثمانينات. أفرجوا في البدء عن 190 شخصاً نالوا البراءة. أما الذين نالوا احكاماً مخففة مثل ثلاث سنوات, فهم قضوها اصلاً منذ اعتقالهم وخرجوا مثل الدكتور أيمن الظواهري الذي انتهت فترة محكوميته وهي ثلاث سنوات. خرج ناس كثيرون ممن نالوا أحكاماً بالسجن سنتين او ثلاث سنوات.
كانت الفترة من 1985 الى 86/87 فترة هدوء. فالناس تخرج من السجون تلملم جراحها. واحد عاد الى اسرته والآخر الى جامعته او الى وظيفته. كل الجماعات حاولت لملمة جراحها. سعت جماعة الجهاد الى ذلك في افغانستان, إذ ان موضوعها يختلف عن الجماعة الاسلامية التي هي في الأساس جماعة دعوية - حسبوية تعمل علناً في المساجد ويأتي اليها الاتباع دائماً. (...)
حرب افغانستان كانت مستمرة وقتها. فبدأ الذين يخرجون من السجن بالتفكير في السفر. كانت نيتهم السفر الى السعودية لأنها الحلقة التي توصلهم الى افغانستان. لم يكن هناك معبر أسهل منها. يخرج الشخص للحج او العمرة ومن هناك يسافر الى افغانستان, عبر مكاتب جمعيات تساعد المجاهدين علناً.
ومن خلال التحقيقات التي اطلعت عليها, يُلاحظ ان معظم المصريين الذين خرجوا الى أفغانستان لم يخرجوا بجوازات سفرهم الحقيقية. كان المصريون أكثر الناس حرصاً على عدم السفر بجوازهم الحقيقي. وحتى من كان منهم يسافر بجوازه الحقيقي الى السعودية كان يخرج منها بجواز غير جوازه المصري. وهذا يدل على حسّهم الأمني المرتفع مقارنة مع اخواننا في الخليج حيث كانت الدول تُسهل اصلاً لهم الخروج لأنها كانت آنذاك تساند علناً الجهاد ضد السوفيات. وأنا هنا لا أكشف سراً, فالأمن المصري يعرف ذلك من التحقيقات التي أجراها.
وكان الدكتور أيمن من بين هؤلاء الذين سافروا الى أفغانستان. سبقه الى هناك أشخاص هربوا قبل 1981 مثل الدكتور سيد إمام المشهور بعبدالقادر بن عبدالعزيز صاحب كتاب (طلب العلم الشريف). وكان المهندس محمد, شقيق الدكتور أيمن, هارباً اصلاً واسمه ورد في قضية تنظيم الجهاد. وحتى لو كان موجوداً لكان نال البراءة. بعد السعودية, سافر الدكتور أيمن الى افغانستان وهناك عمل في مستشفيات على الحدود في بيشاور بحسب خبرته: الجراحة. وهناك تم التفاعل والالتقاء مع الآخرين من خلال المستشفيات التي عمل فيها سواء مستشفى الهلال الاحمر الكويتي في باكستان او في المستشفيات الميدانية داخل افغانستان.
سمح ذلك بالالتقاء بين أناس كان بعضهم معروفاً وآخرين غير معروفين. التقوا وقالوا انه لا بد من إعادة التنظيم مرة أخرى, وأحسن حاجة يمكن ان نعملها الاستفادة من حرب افغانستان. فكيف تحصل مثل هذه الحرب ولا نستفيد منها, خصوصاً ان فكر جماعة الجهاد إنقلابي, ويعتقد انه لا بد ان يكون التخطيط بعيد المدى بعض الشيء.
أول شيء قاموا به هو انهم جمعوا صفوفهم واختاروا أميراً هو الدكتور سيد إمام. حضر الدكتور أيمن الظواهري وعبدالعزيز الجمل واحمد سلامة مبروك, وقيل ايضاً محمد عبدالرحيم الشرقاوي كان حاضراً (وهو مهندس أخفى في الورشة التي كان فيها عصام القمري عندما هرب من السجن. سافر الى افغانستان, لكنه ترك جماعة الجهاد بعد خلاف في 1989/1990 وبقي لوحده. لكنه اعتُقل على رغم انه متزوج باكستانية ويحمل الجنسية الباكستانية, ورُحّل الى مصر).
اختير الدكتور سيد إمام أميراً وأطلقوا عليه لقب عبدالقادر بن عبدالعزيز. وقد يكون السبب انهم لم يريدوا ان تعرف الناس الأمير الحقيقي, على ما كان يحصل في الدولة العباسية عندما كانت الناس تبايع الشخص على أساس انه من أهل البيت (آل الرضا) ولا تعرف من هو. والأمير نفسه, سيد إمام, كان يحب ان يكون العمل سرياً. لكن المشهور آنذاك كان الدكتور أيمن, وكانت الناس تذهب اليه لمبايعته على أساس أنه الأمير. كثيرون ذهبوا لمبايعته ولم يعرفوا انه ليس الأمير. كانوا يظنون انه الأمير لأن اسمه كان معروفاً من خلال المحاكمات, هو وأخونا الضابط احمد القريفاني. إذ كانا يُحسنان اللغة الانكليزية ويتكلمان الى وسائل الاعلام لشرح قضية الجهاد وموقفها من مبادرة السلام (بين مصر وإسرائيل). فجعل ذلك منهما مشهورين. إضافة الى ذلك, كان الجيل القديم يعرف الدكتور أيمن وليس الدكتور سيد إمام, لأنه كان هرب قبل اغتيال السادات. عرفت السلطات الأمنية بعد اعتقال بعض الناس بأن هناك أميراً جديداً للجماعة - في التحقيقات بقضية طلائع الفتح - ولم يكن معروفاً من هو الأمير قبل ذلك. وباستثناء قلة, فإن الاكثرية لم تكن تعرف الاسم الحقيقي للأمير.
كانت المبايعة تحصل إما مباشرة او بالتوكيل. إما ان تذهب لمبايعة الأمير باليد نسبة الى أحاديث الرسول - أي ان تمسكه يداً بيد وتبايعه على صيغة تكون معروفة لا تخالف كتاب الله وسنة رسوله. او تتم المبايعة عبر وكيل, أي ان يأتي شخص ومعه بيعة من شخص معين. كانت الجماعة تسعى وقتذاك الى تجنيد الأفراد. لكنها كانت تختارهم بدقة, وهذا ما جعلها نخبوية قليلة العدد وغير منتشرة. لم تكن تكتفي بأن العضو الجديد يصلّي. كانوا يتقرّبون منه اولاً ثم يأتون اليه بكتب لقراءتها ويناقشونه فيها, واذا وجدوه كثير المجادلة يتركونه على حاله. فإذا اقتنع بالناحية العقائدية والشرعية, يعطونه بعد ذلك جرعة عسكرية.
وكان من ضمن الذين عملوا على إعادة تكوين الجماعة آنذاك أبو حفص المصري وأبو عبيدة البنشيري الذي كان معروفاً كونه قريب عبدالحميد عبدالسلام أحد الذين قتلوا السادات. وهكذا أُعيد إحياء تنظيم الجهاد في 87/88. بدأوا بإعادة لم الشمل في 1987, وقالوا انه يجب ان نعمل معاً بدل ان نشتت عملنا. وساعدهم في ذلك محسنون كانوا يأتون الى تلك الديار من الخليج ويريدون ان ينفقوا على الجهاد. كانوا يقدّمون مساعدات الى هؤلاء (المصريين) الذين يحاربون الروس ويفتتحون معسكرات للتدريب. وكان الشباب وقتها يأتون من دون ان يكونوا منتظمين في جماعة معيّنة. كانوا يأتون للجهاد في افغانستان من منطلق ديني لقتال السوفيات.
وهكذا أعادت الجماعة تنظيم نفسها في الخارج. لكن ذلك كان يحتاج الى تواصل داخل البلد. فلا بد ان يتصلوا بكوادرهم داخل مصر. وكان الهدف هو تجنيد أكبر عدد ممكن من الشباب وارسالهم للتدرب على السلاح في افغانستان. وهذه أصلاً فكرة قديمة لعصام القمري الذي كان يقول انه ليس سعيداً بالمواجهات بين الشباب وقوات الامن, وكان يرى ان المشكلة سببها عدم التدريب. كان يعتبر انه يجب تدريب الشباب تدريباً حسناً على طريقة صنع القنابل والوسائل القتالية وتلقي تدريبات مثل تدريبات الجيش. ومن خلال جمع أكبر عدد من هؤلاء يستطيع السيطرة على المدن, الأمر الذي يوفر دماء كثيرة.

قضية طلائع الفتح
كان الشباب يأتون الى أفغانستان للتدرب والعودة الى مصر للقيام بعمليات. وهذه هي المشكلة. فهناك شباب ذهبوا أصلاً للتدرب والعودة للقيام بعمليات. لكن هذا لم يكن في فكر قادة (جماعة الجهاد) أصلاً. اذ كانوا يريدون ان يدربوهم ليكونوا احتياطياً عندما يحين الوقت الذي يحددونه. وكانت عيونهم متجهة الى الجيش, وليس الى هؤلاء. لكن ما حصل هو انهم لم يكونوا يصرّحون للشباب بخطتهم الحقيقية. فحصلت فوضى في الأفكار, وصار بعض الناس الذين عادوا الى مصر يتكلّمون عن التدريبات في أفغانستان, فقُبض في بدايات التسعينات على حوالي الف من الشباب الذين تدربوا وحوّلوا على المحاكمة في قضية (طلائع الفتح).
بدأت القضية في أواخر 1992 وبداية 1993, واستمرت المحاكمة قرابة شهرين او ثلاثة. معظم الذين تدربوا قُبض عليهم, وكانوا في شكل مجموعات مختلفة. قُبض عليهم لأن كثيرين منهم لم يكونوا يعرفون ما هي الفكرة الأساسية من وراء تدريبهم. ظنّوا انهم سيكونون مثل الجماعة الإسلامية التي كان عناصرها يتدربون في أفغانستان وينزلون الى مصر للقيام بعمليات. أما جماعة الجهاد فكان بعض من فيها يعرف ان التدريب للمستقبل, لكن كثيرين من الافراد لم يفهموا ذلك. وهذا من الأخطاء التي وقعت فيها الجماعة. كان عليهم ان يشرحوا ذلك للذين يأتون للتدرب عندهم: هذه خطتنا, وانت جئت لتتدرب وليس لكي تذهب وتقوم بعمليات في البلد وتُفسد لنا مشروعنا. فلو فهم ذلك الشباب لما كان حصل بع ذلك ما حصل من اجتهادات واخطاء. إذ نزل بعض الشباب الى مصر بعدما ضاقوا ذرعاً من السرية والكتمان الشديدين في مراكز جماعة الجهاد في أفغانستان. كانت تحصل أمور تدعو الى الضحك. فمثلاً كان هناك إثنان في بيت واحد عاشا معاً شهوراً, ولا يعرف الواحد منهما من هو الرجل الآخر في الغرفة المجاورة له. وكان الشخص الموجود في الغرفة يحتاج الى إذن ليخرج منها. فيطلب الإذن, ولا يُعطى حتى يكون الشخص الآخر صار داخل غرفته. وتكون المفاجأة ان الشخصين جاران من بلدة واحدة, او انهما أصلاً جاءا مع بعض للتدرب وفُصل أحدهما عن الآخر... لكنهما, من دون ان يعرفا, كانا في مركز التدريب نفسه لشهور يتلقيان دورات خاصة. كان ذلك يُسبب بعض التذمر والضيق.
هذا فكر جماعة الجهاد. انها تريد ان تقوم بعمل شيء سريع, لجهة الحسم, لكنه بطيء زمنياً. وهذا ما قد تعترضه عوائق ومشاكل. فالساحة ليست لك وحدك, وهناك جماعات أخرى تتحرك. والذي حصل هو ان جماعة تقوم بعمل ما, فتردّ الشرطة المصرية بحملة دهم وتعتقل أشخاصاً من مجموعة مختلفة مختبئين في المنطقة ذاتها. وهؤلاء يكونون من الخلايا التي تعمل في هدوء وتخطط لأمر بعيد في الزمن ولمشروع آخر. فتقبض الدولة عليهم وتكتشف ان هناك تنظيماً آخر يحضّر لمشروع كبير لم يكن عندها علم به. وهذا سببه عدم التنسيق بين الجماعات.

(موقعة عين شمس)
(...) كانت (الجماعة الإسلامية) تنشط في ذلك الوقت في العمل الدعوي والخيري وتجمع تبرعات. لكنها كانت أيضاً تقوم بتغيير المنكر بالقوة, وتستفز الدولة بمنع بعض الافراح والراقصين والراقصات, مثلما كان يحصل في عين شمس. لكن الدولة أرادت ان تقضي على هذه التصرفات. إذ كانت وكالات الانباء العالمية والتلفزيونات تُجري حوارات مع ناشطي الجماعة في المنطقة, يظهر من خلالها كأن هناك دولة داخل الدولة. فسلطان الجماعة الإسلامية هو الحاكم هنا: انتشار الحجاب واللحى, وكأن الدولة لا دخل لها بما يجري. هذا الأمر استفز قوات الأمن التي جنّدت نحو 18 الف جندي, دخلوا منطقة عين شمس وصاروا يعتقلون الناس من سن 13 وما فوق. ثم حصلت حادثة إمبابة بعد ذلك ايضاً. وتم القضاء عليهم (الجماعة) في المنطقتين.
استخدم النظام الإعلام استخداماً قوياً في تلك الحقبة. فظهر برنامج (أجراس الخطر) الذي كان يُجري مقابلات مع بعض الناس -الذين لا تعرف هل هم مخبرون ام مندسون أم حقيقيون - ويقولون مثلاً (أنا ربطوني بعمود وقالوا لي أنك مخبر وجلدوني وحلقوا لي شعري). ثم يأتون بإمرأة ساقطة تقول انها كانت تشتغل (كوافير) او راقصة في ملهى ربطوها في عمود وحلقوا لها شعرها وضربوها. كان ذلك يتكرر كل يوم وتُحكى هذه الأمور للناس والناس البسطاء يصدقون ذلك.
ربما حصل بعض هذه الأمور, لكن الإعلام ضخمّها وهيج الأوضاع ضد الجماعة الإسلامية (...) وقد استمرت هذه الاحداث سنة كاملة بين 1988 و1989. وكانت من افضل الفترات للجماعة الإسلامية في القاهرة. إذ كانت لأنصارها سيطرة كاملة على عين شمس وإمبابة.
وكانت العمليات المسلحة في تلك الفترة تتوسع اذ لم يعد الشباب يكتفون بتكسير محلات التصوير والفيديو والافلام والسينما. وكان بعض ما قاموا به يمثّل رداً على تصرفات الدولة التي قتلت أحد الشباب بعدما حاصرت مسجداً تابعاً للجمعية الشرعية في محافظة المنيا. ثم قتلت في القاهرة اخاً اسمه ماجد العطيفي, زوج ابنة خميس مسلم. كان خارجاً من عند المحامي محمود عبد الشافي. ثم بعد ذلك قتلوا الدكتور علاء محي الدين في منطقة الطالبية. وعلاء كان المتحدث الرسمي باسم الجماعة الاسلامية, وكان طبيباً ورجلاً حركياً وإعلامياً يحظى بالاحترام . قُتل سنة 1990 في عز النهار. (...) وكانت الجماعة الإسلامية رتبت اوضاعها في تلك الفترة وكانت ترسل افرادها الى افغانستان وتنشط في الداخل والخارج. فقالوا: لا بد من الثأر للدكتور محي الدين. اصروا على الانتقام. قالوا: سترون قريباً ان دمه لن يذهب هدراً, وان (وزير الداخلية) عبدالحليم موسى سيدفع الثمن. كانوا يخططون لقتله. وفعلاً كمنوا له. كانت معلوماتهم قوية جداً ويعرفون انه يمر من قصر النيل الى فندق سميراميس. وقفوا ينتظرون مرور موكبه. والذين خططوا للعملية كانوا ذهبوا وتدربوا في افغانستان. تمت العملية بطريقة عادية ولم تستخدم فيها متفجرات. كل السلاح المستخدم كان بنادق آلية. هاجموا الموكب خلال مروره. لكن اتضح ان عبدالحليم موسى لم يمر يومها من هناك. كان يزوره وفد اجنبي فغيّر اتجاهه. لكن صدف قدراً ان مر محله موكب الدكتور رفعت المحجوب, رئيس مجلس الشعب. وهذا في نظر كثيرين صيد ثمين بالنسبة الى الجماعات التي كانت تكرهه. لم يكن المنفذون يريدونه هو, بل ارداوا رجل الأمن الاول ليكون عبرة. وفعلاً قُتل الدكتور المحجوب ومعه مجموعة من الضباط وكذلك عدد من العسكريين الذين كانوا في دورية شرطة حاولت ان تلاحق المهاجمين. وتم الهجوم قرب فندق سميراميس في تشرين الأول (اكتوبر) 1990. وكان ضربة قوية جداً للنظام.
بعد فترة اعتقلت الدولة المنفذين. كانت تظن انهم في البدء جماعة ارسلها العراق بسبب موقف مصر من اجتياح العراق الكويت. وإذا بالدولة تكتشف بعد فترة ان الجماعة الاسلامية هي التي قامت العملية وقبضت على المنفّذين. وهنا اكتشفت الدولة, للمرة الاولى, نتيجة التحقيق, (الملف الافغاني). إذ اعترف المعتقلون بأنهم ذهبوا الى معسكرات وتكلموا عن التدريبات على المتفجرات والاسلحة المختلفة وذكروا اسماء المعسكرات وكيف تتم اللقاءات بينهم. وكان من نتيجة اغتيال المحجوب ان كشفت الدولة الدور الافغاني الذي كانت تقوم به الجماعة الاسلامية. وهو الذي نبّه الدولة الى قوتهم. وكشف الذين حُقق معهم ان مجموعة أخرى كانت في افغانستان وعادت, فتم القبض على أفرادها. وقدّم هؤلاء بدورهم معلومات عن المعسكرات واعضاء الجماعة واسمائهم الحركية أو الاسماء الحقيقية للذين كانوا في افغانستان. وكانت الدولة حتى ذلك الوقت لا تعرف ان الجماعة الاسلامية تملك اسلحة. كانت تعتقد ان عناصرها مسلحون بجنازير واسلحة بيضاء وقنابل يدوية الصنع. لذلك عندما اغتيل المحجوب لم تتوجه انظار الدولة الى الجماعة, فظنّت انها عمل دولة مثل العراق. لكن التحقيقات مع المعتقلين كشفت للدولة التدريبات التي تجرى في افغانستان.
وهنا أخذت لدولة تستشرس في ردها على الجماعة التي ردّت بدورها. فحصلت اغتيالات. بعد ذلك دخلت جماعة الجهاد على الخط في 1993 عندما قُبض على نحو الف من افرادها في ما يسمى تنظيم طلائح الفتح.
أدى ذلك الى مشكلة داخل جماعة الجهاد. فقال بعض الناس: كيف يُعقل اعتقال كل هؤلاء الناس من دون ان تُطلقوا رصاصة واحدة? انتو بتعملوا إيه? بتتفرجوا? إيش فايدة هذا التنظيم? إخواننا في الجماعة الاسلامية يقومون بالعمليات وانتم نائمون تقولون ان عندكم اموراً استراتيجية بعيدة المدى. هنا حصل انشقاق بدأ مع الاخ الصيدلاني احمد حسين (أحمد حسين عجيزة) الذي كان مشهوراً باسم (عبدالحميد), فعمل مع مجموعة وأثار مشاكل داخل الجماعة في تلك الفترة وأخذ معه بعض الناس الذين أخذوا على الجماعة (الجهاد) ان لا تقوم بعمليات في تلك الفترة. حصل انشقاق وخرج اناس بينهم عبدالحميد ومكاوي وغيرهما وتكتلوا جميعهم ضد الدكتور أيمن الظواهري. الدكتور سيد إمام كان أمير الجماعة في تلك الفترة, لكن هؤلاء (المنشقين) لم يكونوا يتعاملون معه. فالدكتور أيمن هو الذي في الواجهة. عبدالحميد ومن معه يعرفون ان الدكتور سيد إمام هو الأمير, لكن خلافهم كان أساساً مع الدكتور أيمن. وكان سيد إمام مهتماً بالعلوم الشرعية وببحوثه وترك الأمور للدكتور أيمن. كان يقول: لخّصوا لي ما يحصل, ثم يعطي رأيه في كيفية التعامل معه. كان يقرر, لكنه يحب ان لا يجتمع مباشرة مع الناس. كانت هذه طريقته في التعامل. ولكن الذي حصل في هذه المشكلة ان الدكتور سيد إمام كان في تلك الفترة في باكستان, والناس كلها تركت باكستان ونزلت الى السودان ومناطق أخرى في حين بقي هو هناك. قالوا له: تعال نحل المشكلة في السودان التي جاؤوا اليه من اليمن. فقد كانت الجماعة كلها في السودان وقتها. بدأت جذور الانشقاق في باكستان قبل نزولهم الى اليمن ثم السودان.

الملف الأفغاني و(طلائع الفتح)
إذن كشف ملف افغانستان بدأ عن طريق قضية رفعت المحجوب الذي اغتيل في 1990. وعلى رغم اغتياله وانكشاف أمر التدريب في أفغانستان, إلا ان الرحلات الى هناك ظلت مستمرة. بدأ الذهاب الى افغانستان في 1987, ثم أخذ يتصاعد في 1988 و1989 و1990 و1991 الى غاية 1992. .
بعدما عرفت الدولة من خلال التحقيق مع المتهمين أن اعضاء الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد يسافرون للتدرب في افغانستان, شنّت حملات اعتقال في صفوفهم. إذ كانت تطلب من المشايخ والعُمد وتسأل كل واحد منهم عن الأشخاص الذين غابوا من قريتهم او حيّهم لأكثر من ثلاثة شهور. طلبت منهم كتابة تقارير عن الغائبين والذين يعودون من السفر. وكان معظم الذين يسافرون إما من الطلبة أو أشخاصاً عاديين يسافرون بحجة العمرة او لزيارة دولة أجنبية. كانوا يتحججون بأي شيء للسفر. فصارت الدولة تنتظر العائدين وتراقبهم. وكان مفروضاً في هؤلاء ان يعودوا ومعهم على الأقل حقيبة ملابس جديدة أو هدايا لزوجاتهم واهلهم, في حال كانوا حقاً في سفر. لكن بعضهم عاد وليس معهم سوى تذكرة سفر إياباً. فشكك ذلك في امرهم, ورُفعت تقارير أدت الى اعتقال كثيرين منهم. آخرون غادروا قراهم ملتحين ويلبسون القمصان البيض والجلابيات وعادوا حليقين يرتدون ملابس على الطراز الغربي.
وفي هذا الإطار, قبضت الدولة في تلك الفترة على جماعة كبيرة بينها مجموعة (طلائع الفتح) التي حضرت التحقيقات فيها منذ بدايتها. حضرت التحقيق مع قرابة 300 من المعتقلين (من أصل أكثر من الف), وكان يستمر من الصباح وحتى قرابة الافطار في رمضان. كان معظم المعتقلين من وجه بحري, وبينهم سلفيون. اعتبرتهم الدولة جميعهم مرتبطين بجماعة الجهاد على رغم انهم كانوا عبارة عن العديد من المجموعات. كانوا مجموعات تقرأ كتباً معيّنة مثل (العمدة) (لجماعة الجهاد) وبعض النشرات وتقوم ببعض التدريبات البدنية مثل رياضة الجري التي لا تلفت الانتباه. عندما بدأت أحضر التحقيق مع الموقوفين ظننت ان عددهم قرابة مئة شخص. فقلت لوكيل النيابة: هذا هو العدد? فأجاب: لا العدد كبير جداً, مضاعف مرات ومرات. فقلت له: كيف يمكن ان تجمع في قضية واحدة شخصاً من القليوبية مع شخص من الاسكندرية مع شخص من محافظة البحيرة والفيوم وبني سويف والصعيد والقاهرة والجيزة? فقال وكيل النيابة ولن أذكر اسمه: يا سيدي, هذه المجموعات كلها فعلاً لا تعرف بعضها, وانا تأكدت من ذلك. لكنهم يؤدون جميعاً الى خيط واحد, وهذا هو السر في أننا وضعناهم جميعهم في تنظيم واحد. كنا نسألهم عمن استقبلهم في أفغانستان, فيعطون دائماً إسمين. نسأ أحدهم: من الذين استقبلوك? فيرد: استقبلني واحد اسمه ابو الفرج. ثم من استقبلك? فيرد: أوصلني لواحد اسمه عثمان, ثم بعد ذلك الى الدكتور أيمن الذي هو (عبدالمعز). فيكتب المحقق في المحضر (عبدالمعز) بين قوسين. إذن الحلقة كانت: أبو الفرج, عثمان, فعبدالمعز, الذي كان المحققون يكتبون اسمه الحقيقي الى جانبه, فالشباب يعرفون انه الدكتور ايمن الظواهري. هذا ما كان يحصل لأعضاء مجموعة من قرية صغيرة في وجه بحري, ولكن الأمر نفسه كان يتكرر مع المعتقلين من مجموعة أخرى من منطقة أخرى. وكانت كل الخيوط تقود الى الدكتور أيمن, إذن هم تنظيم واحد على رغم انهم لا يعرفون بعضهم.
وابو الفرج هو أحمد سلامة (مبروك), أما عثمان فهو الاسم الحركي لـ(...), بحسب محاضر التحقيقات. وهم من كان يصفهم المحققون بأنهم من كان يتلقى الافراد. يستقبلك الاول, ثم يعطيك للثاني الى ان تصل في النهاية الى الدكتور. والاستقبال كان يتم في السعودية حيث كان في الغالب المُستقبل هو أبو الفرج, ثم يُنقل الى باكستان حيث كان المُستقبل هو عثمان, بعد ذلك يصل الدور الى الدكتور على أساس انه الأمير والمبايعة تتم عليه. والغريب هنا انهم لم يكونوا يشيرون في التحقيق الى دور الدكتور الآخر (سيد إمام, على رغم أنه أمير جماعة الجهاد), وربما لم يقابلوه أصلاً. منهم من حضر له دورة شرعية على أساس انه عالم فقط ولم يعرف انه الأمير.
وعلى هذا الأساس, جمع النظام المعتقلين كلهم في تنظيم واحد, على رغم عدم وجود اسلحة معهم. وحكمت على بعضهم بالإعدام أمام محاكم عسكرية. كانوا في البداية حوالي الف متهم, ثم صاروا تقريباً الى نحو 800 وأُطلقت على قضيتهم اسم (طلائع الفتح). الإخوة في الهرم والجيزة كانوا عاملين مجلة اسمها (الفتح) أو (طلائع الفتح). والاخوة في الاسكندرية كانوا بقيادة اخ سلفي اسمه احمد عشوش وكانوا يُطلقون على انفسهم (طلائع السلفية). والدولة هي التي اطلقت عليهم اسم (طلائع الفتح). وليس صحيحاً ان هناك تنظيماً بهذا الإسم.

قصة الجهاد (جريدة الحياة اللندنية)
حلقة 3 من 4
هاني السباعي يكشف قصة انتقال ( إمارة الجهاد ) من سيّد إمام الى الظواهري ( 3 من 4 )

تفاصيل محاولتي الوحدة بين ( الجهاد ) و ( الجماعة الإسلامية ) في باكستان والسودان . . . وأسباب فشلهما
بدأ ضرب السياحة في 1992 وكانت قضية رفعت المحجوب في نهايتها تقريباً أمام القضاء. حضرت أول قضية اعتداء في قضية السياحة أمام نيابة أمن الدولة. كان هناك شاب صغير, يرحمه الله, اسمه دراوي قِناوي (من قنا) وهو من نفذ اعتداء على اوتوبيس سياحي في سوق في المنيا او قنا. نفذ السلاح منه, ولم يقتل احداً. لكن هيبة الدولة اهتزّت. وحادثة السياحة من الاخطاء الكبرى التي وقعت فيها الجماعة الاسلامية.
سُئل أحد الاخوة المعتقلين في قضية المحجوب عن التبرير لضرب قطارات السياح - وكان اعضاء الجماعة يخرجون آنذاك من مزارع قصب السكر ويطلقون الرصاص على القطارات - فأجاب: كي تُفرج الدولة عن إخواننا في السجون, وترد الينا مساجدنا, ونرجع الى الدعوة كما كنا مرة أخرى, وهي وسيلة من وسائل الضغط. لكنه لم يُجب عن مبرر ضرب السياح الأجانب الذين لا دخل لهم في صراع الجماعة مع الدولة. لم تُقدّم الجماعة إجابات مقنعة في تلك الفترة, من الناحية الشرعية ولا حتى السياسية. استغلت الدولة ذلك استغلالاً كبيراً, وكان ذلك في مصلحتها. (...) أما الأدلة الشرعية فكُتبت في ما بعد في تبرير ضرب السياحة, لكن لا يجوز ان تقوم بالشيء ثم تؤصل له وتجد له مبررات شرعية. لا تقتل ثم تأتي وتُعد أبحاثاً شرعية لتجد مبررات لما فعلت. هذا غير مقبول أصلاً. بدأت بخطأ فتتحمل نتيجته وتعترف بأنه خطأ وتتراجع عنه.

محاولات توحيد ... فاشلة
لم تسر (جماعة الجهاد) في سياسة (الجماعة الإسلامية) في ضرب السياحة داخل مصر. لكن جهوداً حثيثة كانت تبذل في الخارج لتوحيد صفوفهما. وقد حصلت محاولتان أساسيتان للتوحيد.
المحاولة الأولى جرت في باكستان. كان هناك بعض الناس الطيبين الذين سعوا الى تقريب الجماعتين, علماً بأن جماعة الجهاد سبقت الجماعة الإسلامية الى أفغانستان. وكانت لكل منهما أماكن مختلفة. كان الأخ عبدالفتاح اسماعيل - قُتل في افغانستان, وتزوّج ارملته رحمة الله عليه حياً كان أم ميتاً أبو طلال (القاسمي, واسمه طلعت فؤاد قاسم, وهو أحد قادة الجماعة الإسلامية) - أول من جاء من الجماعة الإسلامية واستضافه الدكتور أيمن. بعد ذلك قال: افتحوا لنا مضافة. ففتحوا لهم مضافة. وصار الاخوة في الجماعة الاسلامية يأتون ببعضهم اليها. ثم سبقوا جماعة الجهاد وفتحوا اول معسكر لهم, على رغم ان جماعة الجهاد جاءت قبلهم. انفتحت الجماعة الاسلامية على غيرها من الجماعات, في حين انغلقت جماعة الجهاد على نفسها بسبب مبدأ السرية الذي تتبعه ودربت عناصرها بطريقة معيّنة تختلف كثيراً عن التدريبات عند الجماعات الأخرى.
استغلت الجماعة الإسلامية توسعها في تلك الفترة أحسن استغلال. وصادف وقتها ان القوا خطبة في صلاة العيد, بحضور شباب من المغرب والجزائر والخليج والعديد من الدول الأخرى. وكان من قادتها البارزين آنذاك أبو ياسر (رفاعي طه) وابو طلال (طلعت فؤاد قاسم). أثار القاء الجماعة الإسلامية خطبة صلاة العيد كلاماً داخل جماعة الجهاد: لماذا انتم الأقدم والأسبق هنا ولا تقومون انتم بخطبة العيد? لماذا لا تقومون بجهد إعلامي مثل الجماعة الاسلامية. رد بعض الناس بأننا غير مهتمين بهذا الموضوع, لأنه يجر مشاكل ويسمح بأن يندس مندسون في صفوفنا. وهذه وجهة نظر قد تكون مقبولة الى حد ما.
لكن صار بعض الناس يقولون: هؤلاء جماعة جهاد مصرية, وهؤلاء جماعة اسلامية مصرية ايضاً, وكل واحد من الجماعتين جالس في مكان ويعمل ما يريد. وصاروا يقولون: لماذا لا يتحدون بما ان كلاً منهما معارض للنظام. فردت جماعة الجهاد: هذا خير. فالوحدة واجب شرعي. لكن لا بد من تحديد أسس الاتحاد. فطريقة العمل التنظيمي عند الطرفين مختلفة. وهذا الطرف عنده أمور لا تتفق عند الطرف الآخر, إلا في حال تنازل طرف منهما عن بعض مما عنده. ولكن التنازل يتم في الامور غير الأساسية. فقالوا في جماعة الجهاد: احسن حاجة ان نجمع جماعة من العلماء. فرشحوا علماء بينهم الشيخ عبدالرزاق عطيفي والشيخ القاعود وبعض المشايخ المعروفين, إضافة الى شخصيات عامة. قالوا ان مشروعنا هو ان نُحضر هؤلاء العلماء ونحكّمهم في ما بيننا. وقالت جماعة الجهاد ان لا مشكلة في الإسم ايضاً, إذ كانت الجماعة الاسلامية مُصرّة على الاحتفاظ باسمها. فقالت جماعة الجهاد: لا, الاسم الذي يختاره العلماء الأكفأ شرعاً نقبل به. ولا شروط سوى ما يوافق عليه العلماء. وهذا الكلام عن النقاش بين الطرفين هو بشهادة الدكتور شخصياً.
من الناس الذين كانوا متحمسين لهذا الأمر ابو طلال الذي حاول جاهداً تسهيل الوحدة وأعدّ مسودات لها. وهو كان تواقاً لها ومن اشد المتحمسين للوحدة. قالوا له: استشر الاخوة. فذهب لاستشارتهم, لكنه عاد الى الدكتور برفض منهم لمحاولات الوحدة بحسب الطرح الذي قدّمته لهم جماعة الجهاد.
قد تكون الجماعة الاسلامية قامت بعمليات تعتبر انها ناجحة في نظرها. وقد يكون ان الناس وكثرة عددهم (في صفوف الجماعة) هو الذي خدعهم في تلك الفترة. قراءتهم للناحية السياسية كانت في شكل معيّن. ولأمور أخرى لا اعرفها حتى الآن. لكن ما اعرفه ان جماعة الجهاد اقترحت مجلس علماء, ولم تتمسك باسمها او باسم الجماعة الاسلامية وتركت ذلك للعلماء. وهناك من يقول ان الجماعة الإسلامية خشيت ان يكون معظم العلماء المقترحين من مؤيدي جماعة الجهاد فتأتي توصياتهم لمصلحة جماعة الدكتور. آخرون قالوا ان بعض الناس لا تريد الوحدة لأن من مصلحتها ان تبقى كما هي. فهناك من سيخسر بعض النفوذ الذي يتمتع به في جماعته لو دخل الى الجماعة الجديدة التي ستتكون من جماعتي الجهاد والجماعة الاسلامية. هذه بعض التفسيرات لرفض الجماعة الاسلامية الوحدة في 1992.
المحاولة الثانية الاساسية للوحدة حصلت في السودان في آخر 1994 او بداية 1995. ما اعرفه ان ناساً طيبين كانوا يتداولون الأمر في ما بينهم. الشخصان الاساسيان كانا ابو ياسر والدكتور (ايمن). كان قادة الجماعة الإسلامية والجهاد في السودان يعانون المصاعب والتضييق الذي شمل الجميع. عندما كانوا يجلسون مع بعضهم بعضاً لم تكن هناك مشاكل بينهم: فالهم واحد. كان بينهم أناس سنصنّفهم (الحمائم) قالوا: لماذا لا نتوحد ونصبح جماعة واحدة? فسعى بعض الاخوة من الجماعتين الى انجاح هذه الفكرة بعدما رأوا اصرار ابو ياسر عليها والعلاقة الجيدة بين الطرفين. ابو طلال لم يكن موجوداً, إذ كان في الدنمارك, وإن كان على اتصال بالموضوع. الاخوة في جماعة الجهاد سمعوا شيئاً جديداً من الجماعة الاسلامية: الوحدة تتم بدون شروط مسبقة, لأن هذا واجب شرعي. حصل نقاش, وقال كل طرف انه يمكن ان يتنازل عن بعض الاشياء. وضعوا تصوراً لما يمكن ان يحصل. جماعة الجهاد انقسموا قسمين: قسم (صقور) قالوا ان من المستحيل حصول اتحاد بيننا وبين الجماعة الاسلامية, فكيف نتوحد معهم وهم يمكن ان يتراجعوا عن كلامهم لاحقاً او تخرج منهم جماعة تقول انها غير موافقة ولا تعترف بهذا الموضوع. قال هؤلاء ان مشكلة الجماعة الاسلامية انها موزّعة طبقات: جماعة منتشرة في الخارج, وهناك جماعة الداخل, وهناك القيادة التاريخية. ولذلك يمكن ان يُقرّ طرف من هذه الاطراف الوحدة ويرفضها طرف آخر. وعندما تقول له انك اتفقت مع فلان يُدخلك في شؤونهم الداخلية ويقول لك ان لا دخل له في الأمر. وعلى هذا الأساس, لا بد ان تجمع كل الاطراف في الداخل والخارج وفي السجون وتستشيرهم قبل ان تتكلم الجماعة الاسلامية باسم واحد وتقول انها اجتمعت بحضور كذا وكذا واختارت مجلس شورى من كذا وكذا وان الطاعة تتوجّب على الجميع. عندئذ يمكن الاتفاق معهم. هذا ما قاله الناس في جماعة الجهاد الذين لم يكونوا راضين بالوحدة, ليس رفضاً لها وإنما من خلال تجربتهم مع الجماعة الاسلامية.
أما (الحمائم) في جماعة الجهاد وكان من ضمنهم الدكتور أيمن, فقالوا ان أفضل حل ان نعمل مجلس شورى في ما بيننا كلنا ونختار قيادة ومجلس شورى جديداً ونختار أميراً من بيننا بعد ان نتحد. ثم صار نقاش حول التفاصيل: ماذا نفعل في بعض الآراء الشرعية القديمة, مثلاً ولاية الضرير? ماذا ستفعلون في قضية الدكتور عمر عبدالرحمن? هل ستعترفون به أميراً أم لا? فهذه من المسائل المهمة. فهو رجل ينطبق عليه أمران: أسير (في أميركا) وضرير, والأمران لا تعترف جماعة الجهاد بأنهما يصلحان في الأمير. وهناك نقطة أخرى: ماذا نفعل في قضية العذر بالجهل, فالجماعة الاسلامية ترى مسألة العذر بالجهل, وهو ان شخصاً لو عمل شيئاً خطأ في الدين هل يُعذر بجهله أم لا? فقالوا انه يُعذر بجهله إن كان جاهلاً. فلو عمل خطأ في التوحيد وهو جاهل فإنه يُعذر. قالوا ان مسألة العذر بالجهل متعلّقة بأصل الدين الذي هو التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فالذي يرتكب خطأ في هذا الأمر, ويعمل خطأ مثل ان يطوف عند ضريح ويُقرّب حاجة لميّت او يسجد لإنسان... فهذه الامور يعتبرونها من أصل الدين ولا يُعذر الجاهل بها. الانسان لا يسجد سوى لله. الجماعة الاسلامية ترى العذر بالجهل وتعتبر ان من يقول ان لا عذر بالجهل مبتدع, أي انهم يُبدّعونه. يجب ان تقبل بأمر العذر بالجهل, وإذا لم تقبل به فأنت مبتدع, حتى وإن كنت رجلاً صالحاً.
أما جماعة الجهاد فتنظر الى هذا الموضوع نظرة مختلفة تماماً. فهي ليست متشددة في هذا الباب. ترى ان مسألة العذر بالجهل مسألة خلافية, وانها على رغم انها موجودة في العقيدة من ضمن باب العقائد, لكن وجودها في باب العقائد لا يعني ان من يخالف فيها يكون مبتدعاً. قالوا انه يصح فيها الخلاف. فإذا قال أحد ان لا عُذر بالجهل لا اُبدّعه, فهو يجتهد. لا يجب ان اُبدّع كل من يخالفني عندما يتعلّق الأمر بالعقيدة. ففي أحاديث الرؤية كانت السيدة عائشة, رضي الله عنها, تنفي الرؤية وإبن عباس كان يرى الرؤية: هل رأى الرسول, صلى الله عليه وسلم, ربه في الإسراء والمعراج عندما عُرج به الى السماء. السيدة عائشة تقول انه لم يره, وإبن عباس يقول بجواز الرؤية. فهذا خلاف على مسألة عقائدية: فهل يكون إبن عباس مبتدعاً او السيدة عائشة مبتدعة? إذن ليس كل شيء في العقيدة نختلف فيه يعني ان اتهمك بالبدعة.
وفي الحقيقة ان الدارس لهذه المسائل في علم الاصول يرى ان عند جماعة الجهاد حق فيها. فالعلماء كانوا يضعون مسألة العذر بالجهل في باب اسمه عوارض الأهلية, ولم يكونوا يهتمون بها كقضية مثل اهتمامنا بها هذه الايام. هذه القضية طُرحت في أيام شكري مصطفى وهو الذي طرحها في إطار قضية التكفير. والمسألة فيها خلاف.
وكان الخلاف في شأن مسألة العذر بالجهل من أوجه الخلاف الكثيرة بين الجماعة الاسلامية وجماعة الجهاد. إذ كان ثمة اوجه اخرى مثل التنظيم المالي والتنظيم العسكري يجب الاتفاق عليها عند التوحد.
جاء الموعد المحدد لجلسة مناقشة الوحدة. حضّروا (جماعة الجهاد) ورقة بشروطهم: موضوع الدكتور عمر, وموضوع إمارة الاخوة في السجن, وموضوع الناس الموجودين في الخارج, وموضوع مجلس الشورى, وكيف سيعلن حل الجماعة, إضافة الى اسئلة مُعدّة لكي تُجيب عنها الجماعة الإسلامية. على هذه الأسس ذهبت جماعة الجهاد الى اللقاء. وأخبرني الأخ الذي حضر اللقاء انه صُدم, إذ لم يتخيل ان الأمور ستصل الى هذا الحد. قالوا له: خير.. نحن سنتحد مع بعض. أيوه أيوه. الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد ستتحدان, ولكن إيه الطلبات دي؟ فردّ: نبقى جماعة واحدة إزاي؟ قالوا له: لا. الدكتور عمر لا يُمس. الناس في السجن لا تُمس. التنظيم العسكري لا يُمس. التنظيم المالي لا يُمس. رد عليهم: نتحد إزاي? فقالوا: ان تتحدوا معنا يعني ان تدخلوا جماعتكم ضمن الجماعة الاسلامية. فينيتو. خلاص!!.
ما حصل في ذلك الاجتماع يُثير الذهول. كأنه كان هناك نوع من الاستخفاف بالأمر من جانب الجماعة الاسلامية. كأن الأمر يقضي فقط بأن تدخل جماعة الجهاد ضمن إطار الجماعة الاسلامية وانتهى الأمر. جماعة السجن يبقون هم هم: كرم زهدي يبقى هو هو, وناجح ابراهيم كذلك. هم الكل في الكل. والناس في الخارج لا تُمس. هل هذا اتحاد? ليس اتحاداً بل انضمام جماعة الى أخرى وذوبانها فيها. هذه هي المحاولة الثانية للوحدة, ولم يتكلم عنها أحد على الإطلاق. وكانت في الخرطوم.

إنشقاقات:
في تلك السنوات من النصف الأول من التسعينات, شهدت (جماعة الجهاد) انتقال الإمارة من الدكتور سيد إمام الى الدكتور الظواهري. وقد حصل الانتقال في ظل خلافات شديدة عصفت بالجماعة وأدت الى انشقاقات في صفوفها.
بدأت بذور المشاكل والانشقاق في باكستان, ثم في اليمن الذي كان محطة انتقال لأعضاء جماعة الجهاد في اتجاه السودان حيث كانوا يستعدون للاستقرار هناك. كان معظم الحركات الاسلامية قد ذهب الى السودان في تلك الفترة, لأن الحكم السوداني هو الذي فتح الباب لهم ورحب بهم. وفعلاً جاءت جماعة الجهاد وأقامت مشروعاً زراعياً وآخر تجارياً ومشاريع أخرى. كذلك جاءت الجماعة الاسلامية وجماعات من مختلف العالم العربي والإسلامي.
نزلت جماعة الجهاد الى السودان بمشاكلها وخلافاتها من باكستان واليمن. كانت هناك مشكلة قادها بعض الإخوة على رأسهم (عبدالحميد) وهو الصيدلاني أحمد حسين (عجيزة) الذي قبض عليه في السويد ورُحّل الى مصر. كوّن مجموعة كبيرة وأثّر في عدد من الشباب وقال لهم: إن الناس قُبض عليهم بدون إطلاق رصاصة (في إشارة الى نحو الف شخص اعتُقلوا في مصر في قضية (طلائع الفتح)), وان الناس دول مش عايزين يجاهدوا. سيقعدون ثلاثين او اربعين سنة الى ان يصبح عندهم كوادر مدرّبة. قال مؤيدوه ان الانتظار كل هذه الفترة غير معقول ولا بد ان نجاهد, وإلا لماذا جئتم بنا الى هنا, لكي تُخزّنونا? فلننزل الى بلادنا فهذا أفضل لنا. حصل كثير من اللغط وسط إشاعات في شأن طريقة القبض على الناس داخل مصر. بعض الإشاعات قال انه قُبض عليهم نتيجة الإهمال, ونتيجة ان أقراص كومبيوتر تضم اسماءهم وقعت في يد أحد الاخوة الأمر الذي سهّل القبض عليهم. وطبعاً هذا الكلام غير صحيح. فقد حضرت جلسات القضية ولم يكن فيها أقراص كومبيوتر. قُبض على الناس عشوائياً, ولكن في الخارج كانوا يعتقدون ان هناك أمراً ما انكشف وإلا فكيف نُفسّر اعتقال مئات الشباب دفعة واحدة. كانوا يعتقدون ان الاسماء كلها موجودة في شريط كومبيوتر وقع في قبضة الأمن المصري. الذي جمعهم كلهم في قضية واحدة ان الاسماء هي ذاتها التي ذكرها الموقوفون في التحقيق (عن مسؤولي جماعة الجهاد).
هنا قامت جهود لبعض الناس حاولوا ان يُصلحوا بين الذين يريدون الانشقاق وبين الدكتور ومجموعته. كانت هناك مع الدكتور مجموعة مؤيدة له, مثل شقيقه الذي كان موجوداً في الخليج. وكان هناك بعض الناس الأساسيين حول الدكتور مثل محمد صلاح وطارق أنور وثروت صلاح ومجموعة كبيرة من القدامى واعضاء اللجنة الشرعية. أما عبدالحميد (أحمد حسين) فكان معه في المقابل الشباب, ومعظهم من صغار السن. لم يكن معه كوادر قديمة.
الذي حاول ان يُصلح بين الطرفين كان الشيخ ابو عبيدة البنشيري (علي أمين الرشيدي), رحمه الله, مع بعض الاخوة. عقد مجلس صلح بين الطرفين لتهدئة الأمور. طلبوا ان ينزل الدكتور عبدالقادر بن عبدالعزيز من باكستان لأنه هو الأمير ليحسم الأمور, فالناس كانت تهابه جداً. سعى معه كثيرون لكي ينتقل الى السودان. لكنه رفض. كان يجلس لوحده في باكستان. فرفض ان يأتي لتسوية المشكلة. لكن الخلافات كانت مشتعلة وشديدة بين أعضاء الجماعة. هنا, اتصل به الشيخ ابو عبيدة وظهرت مجموعة من ضمنها أحمد حسين قالت انه يجب ان يقدّم الدكتور سيد إمام استقالته لأنه لا يريد ان ينظر في شأن الجماعة. وطفقت الإشاعات تنتشر, والخلافات تكبر. طبعاً, عرضوا الأمر على الدكتور وقالوا له: لازم تنزل. فقال لهم: انا مستقيل, واختاروا أميراً في ما بينكم. قال لهم هذا الكلام بالتليفون, وابلغهم إياه الشيخ ابو عبيدة.
كان المنشقون يريدون ان يستقيل الدكتور فضل (سيد إمام) لأنه أكبر عقبة أمامهم. فهو لو نزل الى السودان لكانوا اضطروا الى وقف تحركهم. الجميع كان يهابه, ولا أحد يستطيع التمرد عليه. فهو صاحب مكانة علمية شرعية رفيعة. لو دمّروا هذه العقبة لكان من السهل عليهم ان يطالبوا بإقالة أي شخص آخر. وسهّل لهم الأمور الشيخ ابو عبيدة عندما نقل اليهم ان الدكتور فضل قدّم استقالته وترك لهم اختيار أمير جديد.
هنا اصبحت جماعة الجهاد في تلك الفترة بلا أمير. وهذا الأمر لا يفهمه سوى الذي يفهم الطريقة التي تُبنى عليها جماعة الجهاد. الجماعة تُبنى على أساس ديني. والإمارة والبيعة أمران أساسيان عندها. هذا الأمر ليس ظاهراً بقوة عند الجماعة الإسلامية التي قد يكون فيها أشخاص غير مبايعين بالمعنى الصحيح. تجد قلة منهم أدوا البيعة. يختلف الأمر في جماعة الجهاد: لا بد ان يبايع الاعضاء بشكل رسمي.
سببت استقالة الدكتور فضل مشكلة شرعية: الجماعة بدون أمير. فتم بسرعة تدارك الأمر حتى لا تحصل فوضى. عُقد اجتماع سريع ضم الناس الاساسيين او ما يُعرف بـ(المجلس التأسيسي) او مجلس الشورى. المفروض انهم 25 عضواً. جمّعوا كثيرين من مختلف انحاء العالم. ارسلوا طلبات حضور للجميع وشددوا على ضرورة عدم التغيّب لأن الجماعة ستضيع وتصير هناك مشكلة. فالمنشقون يمكن ان يعلنوا انهم هم الجماعة وتنتهي الجماعة. لو تأخرت العملية قليلاً لكان المنشقون باتوا هم الجماعة. كان الوضع بالغ الخطورة. حتى ان مراسلات بعث بها المنشقون عن طريق عبدالحميد, وصلت الى بعض الجماعات الأخرى العالمية مفادها ان الدكتور فضل استقال والجماعة بدون أمير الآن وانهم اختاروا شخصاً من صفوفهم (غير عبدالحميد) لقيادة الجماعة.
لكن الناس الأساسيين في جماعة الجهاد كانوا ملتفين تحديداً حول الدكتور ايمن, واستطاعوا ان يتداركوا الأمور. جمعوا الناس التي وصلت من السفر وعقدوا اجتماعاً ليختاروا مجلس شورى جديداً ويبايعوا أميراً جديداً. وفعلاً تمت مبايعة الدكتور ايمن أميراً لجماعة الجهاد. كان كثيرون يريدون ترشيح الشيخ البنشيري. والدكتور (أيمن) نفسه كان يريد ان يبايع ابا عبيدة الذي كان بعيداً عن كل المشاكل والناس تحبه. لكن الرجل رفض بشدة وقال انه يريد ان يبايع الدكتور أيمن وبايعه فعلاً على السمع والطاعة, بشهادة الشهود. كان ابو عبيدة مشغولاً بما يُسمى تنظيم (القاعدة) - وهو لم يكن تنظيماً بل كان مكاناً أقاموه قاعدة للجهاد بعدما مات الدكتور عبدالله عزام. كانت قاعدة عسكرية وليست تنظيماً. وكان في هذه القاعدة ابو عبيدة ومعه ابو حفص, وكثير من المصريين القدامى كانوا قد اشتكوا للدكتور ومن ان هذا المعسكر يستغرقنا ويجعلنا نترك الجماعة لأنه لا يمكننا ان نواظب بين الإثنين, فكل منهما (الجهاد والقاعدة) عنده أولويات. فكرة الدكتور فضل كانت ان نستفيد من إمكانيات هؤلاء (القاعدة) لمصلحة جماعة الجهاد, فكانت النتيجة للأسف سلبية. تحوّل ولاء الناس من جماعة الجهاد كلياً الى شيء آخر, الى كيان آخر يضم أفراداً من جميع انحاء العالم.
حُلّت القضية في جماعة الجهاد بأن عُقد اجتماع للمجلس التأسيسي واختير مجلس للشورى ضم الناس القدامى الذين كانوا فيه منذ البداية واضيف اليهم بعض الاعضاء الجدد. اتفقوا على مبايعة الدكتور أيمن مبايعة صريحة, ودعوا الناس في السودان الى طريقين: الذي يريد ان يلتحق بلدكتور يمكنه ذلك, والذين يريدون ان يلتحقوا بعبدالحميد فليذهبوا معه. ولكن من يريد ان يلتحق بالدكتور عليه ان يبايع من جديد. وفعلاً ذهب اليه بعض الناس الذين كانوا قد انشقوا وبايعوه. ولو لم يستطع هؤلاء الوصول اليه كونهم في بلدان أخرى, كانوا يأخذون منهم بيعة صريحة بالنص وبإسم الشخص المبايع. طلبوا بيعة جديدة وكانوا يعلمون شيئاً اسمه تجديد الثقة بالبيعة, وهي تعني ان الدكتور يرسل طلباً يقول فيه انه يريد تجديد البيعة, فهل انت موافق على تجديدها. كانوا يلجأون الى هذه الصيغة لكي يعرفوا إذا كان أحد من الذين بايعوا غيّر رأيه ويريد ان يكون في حلّ من البيعة السابقة, فيسمح له ذلك بسحب بيعته. لم تكن هناك مشكلة: إذا كنت غير موافق, فأنت حل من هذه البيعة.
وانتـهت المشكلة بهذه الطريقة: بقيت لهذه المجموعة أماكــنهم وأمـوالهم وأفرادهم, وبقيت للفريق الآخر أماكنه وأمواله وأعضاؤه. انتهت الأزمة عند هذا الحد, وتشرذم الاخوة, وكانت حاجة حزينة ان يحصل انشقاق أصلاً. بعد ذلك اعتمدت جماعة الجهاد على نفسها, لكنها وقعت في خطأ جديد.
فالإنشقاق حصل في الأساس بسبب قضية الناس الذين قُبض عليهم (طلائع الفتح). ولكن الذي حصل ان أشخاصاً من الذين بايعوا الجماعة او انضموا اليها من جديد قالوا انه يجب القيام بعمليات ليشعروا إخوانهم بأنهم في السجن لم يذهبوا هباء. فصار نقاش: يمكن ان تُضر الجماعة إذا قامت بمثل هذه العمليات. يمكن ان يُعتقل افرادها الجدد. لكن بعضهم اصرّ على القيام بردّ. ضُغط على الدكتور أيمن شخصياً, فدخل في المشروع (العمليات) بحماسة بعض الإخوة الشباب, ونُفّذت عملية حسن الألفي الأولى وعملية عاطف صدقي

قصة الجهاد (جريدة الحياة اللندنية)
حلقة 4 من 4
هاني السباعي يروي قصة الاختراق الذي تعرّضت له ( جماعة الجهاد ) في الخرطوم ( 4 من 4 )

أعدم الظواهري صبيين بتهمة التجسس فطرده السودانيون الى أفغانستان . . . فتوحّد هناك مع ( القاعدة )
أصدرت (جماعة الجهاد), مع دخول السنة 1995, قراراً بوقف أي عمل مسلح. فالحصيلة التي تمت أسفرت عن اعتقال العديد من الشباب ومصادرة كثير من البيوت والشقق والأموال. وقُتل ايضاً العديد من القيادات الكبيرة مثل عادل عوض الذي كان من احسن الشخصيات في جماعة الجهاد. فقررت جماعة الجهاد وقف العمليات. قالوا إن الله لا يكلّف نفساً إلا وسعها, والجهاد مناط القدرة, ونحن غير قادرين, فلن نستطيع. فانتظروا واجلسوا وتعلّموا. العملية صعبة ونحن نخسر كثيراً بتنفيذنا اليوم هذه العمليات. وهكذا أوقفت جماعة الجهاد عملياتها لعدم القدرة في العام 1995.

عملية إسلام آباد:
لكنها نفّذت في ذلك العام عملية أساسية تمثّلت بتفجير السفارة المصرية في إسلام آباد. فلماذا تمت هذه العملية؟
قالت جماعة الجهاد بعد العملية انها فجّرت السفارة انتقاماً من عملية كبيرة قامت بها المخابرات المصرية. إذ شهدت تلك الفترة صراعاً مخابراتياً بين الحكم المصري وجماعة الجهاد. كان كل منهما يخدع الآخر. الحكم يضحك على جماعة الجهاد وهي بدورها تضحك عليه. لكن الدولة, بحكم انها دولة لها إمكانات كبيرة, كان لها السبق.
الذي حصل ان جماعة الجهاد ارادت ان تخدع المخابرات المصرية في السودان. عملت إعلاناً طريفاً جداً وهو ان الدكتور أيمن الظواهري سيذهب الى سويسرا. ووزّعوا الإعلان على وكالات الأنباء, وفيه ان الدكتور سيعقد مؤتمراً صحافياً في سويسرا, وحددوا المكان والزمان. تحدثت الصحف ووكالات الانباء, بما فيها جريدة الحياة, عن هذا الموضوع. وقبل اليوم من التاريخ المحدد أصدرت جماعة الجهاد بيان اعتذار قالت فيه انه بلغها ان المخابرات المصرية تُحيط بالفندق وتتآمر لقتل الدكتور, ولهذا السبب تأجل ظهور الدكتور الى حين آخر. صدّق العالم كله الرواية وقال إن الدكتور طلب اللجوء السياسي في سويسرا. لكنه كان طبعاً في السودان.
الحكومة المصرية كانت الوحيدة التي تعرف انه في السودان وان كل القضية خداع بخداع. لكن الحكومة المصرية سارت في الخدعة على رغم ذلك. فاحتجت لدى الحكومة السويسرية وسألت: كيف تسمحون لمثل هذا الرجل بدخول بلادكم. فرد السويسريون بأن ليس عندهم رجل بهذا الإسم. فقال المصريون: ربما دخل باسم آخر. وقدموا احتجاجاً الى الحكومة السويسرية وأثاروا ضجة كبيرة في وسائل الاعلام.
كانت المخابرات المصرية تعرف ان القصة كلها فقاعة إعلامية. لكنها مشت في الحيلة لأنها كانت تُخطط لشيء آخر. ففي تلك الفترة كان ضابط مصري جنّد ولداً عن طريق بعض الناس السودانيين. فالمخابرات المصرية كان لها نفوذ كبير في الخرطوم وكانت تتصرّف كأنها ساحة تابعة لها ومتحكمة فيها. وعلى رغم ان الحكومة السودانية كانت طردت المصريين, إلا أن هؤلاء كانت عندهم ذيولهم هناك. فاستطاعوا تجنيد إبن أحد الاخوة. اصطادوه في إحدى المكتبات وسألوه عن الأمور التي يحبها. دعوه الى لقاء. قالوا له: تعال نشرب الشاي او العصير وعندنا أفلام واشرطة (فيديو) جميلة. جاء اليهم الولد واسمه أحمد, فقدّموا له عصيراً يحوي مخدراً ومارسوا معه اللواط وصوروه. وبعدما أفاق عرضوا عليه الصور وهددوه بإخبار والده, وهو رجل متدين نشط مع إحدى الجماعات العاملة في ذلك الوقت مع الشيخ اسامة (بن لادن, أي تنظيم القاعدة). الولد مصري لكن والده لم يكن تابعاً لـ(جماعة الجهاد). فخضع الولد وصار يذهب اليهم ويعطيهم معلومات واسراراً ويحكي لهم عن الجماعة التي يعيش في وسطها.
وبعد هذا الولد, جُنّد ولد آخر اسمه مصعب هو إبن ابو الفرج اليمني (أحد قادة (الجهاد) وهو مصري وليس يمنياً). جُنّد بالطريقة ذاتها. قال له الولد الأول: تعال معي عند صاحبنا وهناك سقوه عصيراً وخدّروه وقالوا له في النهاية انهم صوّروه وعملوا فيه كذا وكذا. كان ابو الفرج في تلك الايام في جماعة الجهاد والولد يعيش مع عائلات الجماعة وبينهم الدكتور (الظواهري). وهكذا جُنّد الولد.
المخابرات السودانية كانت تُراقب ما يحصل, كونها تراقب أصلاً تحركات الديبلوماسيين. فصوّرت الولد وهو ينزل من سيارة تابعة لهيئة ديبلوماسية. عرفت انه إبن ابو الفرج ووالده تابع لجماعة الجهاد. فذهبوا الى الدكتور وقادة الجماعة وقالوا لهم ان الولد يتردد على هؤلاء الناس ويجب ان تراقبوه. قدّموا (المخابرات السودانية) لهم تقريراً عن ذهاب الولد الى هذه الفيلا او تلك.
طلب السودانيون من جماعة الجهاد القبض على الولد واستدعوا والده. قالوا له ان الولد صغير ولن نعمل له حاجة. لكنهم سألوه عما كان يفعل فأخبرهم. فقالوا انه يجب عليه ان يتوب الى الله على أساس انه أُكره. تسامح السودانيون في الموضوع وسلّموا الولد الى ابيه.
وبحسب حيثيات الحكم الذي اصدرته جماعة الجهاد (وقد قرأت نصّه الذي وزع على حركات إسلامية مع أشرطة فيديو للتحقيق الذي حصل), فإن الوالد قال ان الافضل ان يُرسل ابنه الى (الخلاوي الشرعية) في السودان حيث يُحفّظ القرآن. أُرسل الولد الى هناك, لكنه صار يقوم بتصرفات غير جيدة في الخلاوي, واشتكى منه الطلبة الاخرون الذين قالوا انه يقوم بحاجات غريبة ويحاول ان يراودهم. فتم استدعاؤه من هناك.
كان والده مشغولاً دائماً ويسافر دائماً, وابنه استسلم للشيطان. إذ ذهب وأخبر الذي جنّده انهم يريدون ارساله الى الخلاوي الشرعية, وأبلغه أموراً في منتهى الخطورة. فاحت رائحته عند المخابرات السودانية, وعرفت (جماعة الجهاد) انه يتردد على شقق معينة ويحكي للمصريين ماذا يحصل في اوساطهم. عرفوا ان جلسات الجنس تتم باختياره. ففي حيثيات الحكم يقول الولد: انا عاوز اروح لعند ... (علشان ... عليّ). جماعة الجهاد اعتبرت ان الاولاد دُمروا. ابن ابو الفرج كان يحفظ القرآن كله.
لم يرض الولد ان يعاون الناس الذين كانوا يحققون معه وصار يضللهم. سألوه عن الرجل الذي يقابله وعن الأماكن التي يقابله فيها, فصار يعطيهم اسماء وأماكن غير حقيقية لكي (يضللهم). كانت المخابرات السوادنية مازالت على الخط, فحذّرت جماعة الجهاد منه. وطلبت منهم تغيير أماكنهم, لكي لا يعرفها الولد. وانتهت المسألة عند السوادنيين عند هذا الحد.
لكن الولد كان مستمراً في طريقته. طلبوا منه ان يدخل المكتب الذي كان يجتمع فيه الدكتور مع بقية قادة الجماعة ويضع لهم جهاز تنصت في الهاتف - بعدما علّموه كيف يفعل ذلك - ووعدوه بأن يسلموه شنطة متفجرات. كان ذلك يوم خميس تقريباً. حاولوا ان يعطوه حقيبة متفجرات وطلبوا منه ان يأخذها الى المكتب الذي يتجمع فيه عادة الناس (الجهاد) ويتركها هناك, وعلّموه كيف يتم تشفيرها.
قُبض عليه بعد تسلمه الشنطة وهو ينزل من سيارة الشخص المصري. كانت جماعة الجهاد تراقبه, وكذلك المخابرات السوادنية. كل منهما يعمل لوحده, لكن الطرفين كانا يراقبانه. قُبض عليه والشنطة معه. وكان الامن المصري في تلك الفترة يؤكد ان زمام المبادرة في يده, وانه يعلم أين هم. تركوا الإعلام يسير في موضوع أن الدكتور موجود في سويسرا, لكنهم كانوا يسيرون في خطة تفجير كوادر جماعة الجهاد كافة في وقت واحد. كانت الخطة تقضي بإدخال شنطة المتفجرات الى المكتب.
ولكن قُبض على الولد ومعه الشنطة. فأخذته المخابرات السودانية في أول الأمر. لكن جماعة الجهاد قالت لهم (ان الولد بتاعنا) ولازم نحقق معه. سجنه السودانيون عندهم في انتظار النظر في أمره. وكانت الجماعات الإسلامية كلها متجمعة آنذاك في السودان وعرفت بالموضوع. فحصلت فضيحة.
قال بعض الناس ان جماعة الجهاد يجب ان تأخذ الولد من الأمن وتحقق معه فـ(قصة الدلع غير مسموح بها). أرادوا الضغط عليه ليتكلم. قالوا ان السودانيين لن يحققوا معه بالطريقة الصحيحة. فذهبوا الى الأمن السوداني وخدعوهم بالمسايرة وأخذوا الولد منهم. كيف أخذوه? ليس واضحاً حتى الآن.
ثم بدأ التحقيق مع الولد والولد الآخر الذي جنّده. اعترفا. لم يكن هناك دلع في التحقيق معهما, مثلما كان يحصل عند السودانيين. اعترف الولد أولاً انه فتح شنطة والده وكان فيها جوازات سفر لرحلة احد الاخوة الذين قبض عليهم, خلال نزوله الى إحدى الدول العربية. لم يكن أحد يعرف بذلك. اعتُقل خمسين يوماً في الدولة التي نزل اليها ثم رُحّل الى مصر. وهو يقضي فترة العقوبة الآن. كذلك اعتُقل أخ ثان كان من المقرر ان ينزل الى مصر. قُبض عليه عند حدود دولة وهو يحمل جوازاً غير جوازه الحقيقي. امسك به المصريون وحكموا عليه بالإعدام. وقد اعترف الولد بذلك, وصار يتكلم عن أسرار لا يعرفها أحد. ففي شنطة والده كانت الجوازات التي ستُسلّم الى الشباب.
كانت المخابرات المصرية تستأجر شققاً أمام الشقق التي يعيش فيها اعضاء جماعة الجهاد في الخرطوم. وكانوا يجلسون طوال النهار في الفيلا ويضعون كاميرا ويسألون الولد من هو الذي دخل فيقول لهم هذا الشيخ الفلاني وهذا ابو فلان. كان يعرف كنى بعض الناس واسماء بعضهم.
كل ذلك كُتب في محضر التحقيق وظهر في شريط الفيديو. لكن بعد الاعترافات, ناقشت الجماعة الناحية الشرعية في الموضوع. طرح بعض الناس هل يجوز ان يُقام عليهما الحد وهما فتيان. فكشفوا على الأولاد ووجدوا انهم انبتوا فعلاً ويحتلمون (...). تأكدوا انهم بالغون. ثم أصلّوا للموضوع وردوا على الشبهات الشرعية, وقالوا ان الحكم عليهما هو حكم اللوطي وحكم الخائن والمتآمر لقتل الناس. قالوا لهما: هل تعلمان ما حكم الذي يتعامل مع الأمن? اجابا: مرتد. وهل تعلمان انها خيانة شرعية? فردا: نعلم انها خيانة شرعية. سألوا الولد: ما الذي دعاك الى ان تفعل ذلك على رغم اننا اعطيناك فرصة وكان بإمكانك ان تتوب الى الله سبحانه وتعالى. كان ذلك في المرة الأولى لكنك رجعت اليهم مرة ثانية. فرد عليهم: هو كده (اي جاء على باله ان يفعل ما فعل). تكلم بهذه الصفاقة. اما الولد الآخر, أحمد, فطُلب منه ان يكتب وصية أبيه وأمه, فكتب انتم االسبب ولا احبكما.
قال ناس في جماعة الجهاد ان الأمر خطير جداً. كانوا يريدون الوصول الى المسؤول عن تجنيد الأولاد. خططوا لاعتقاله من خلال إقامة حفلة يأتي هو اليها حيث يُعرّى من ملابسه ويأتون برجل (...) فيه.
في النهاية, أصدرت جماعة الجهاد حكم الإعدام على الولدين ونُفّذ. وقالت انها فجّرت السفارة في باكستان رداً على عملية الخرطوم.
عندما جاء الشيخ ابو الفرج وعلِم بإعدام إبنه ذُهل. أثار بعض الناس عنده الشبهات, فتسبب ذلك بمشاكل بينه وبين الدكتور وجماعة الجهاد. قال ان الجماعة كان يجب ان تترك له موضوع التصرف بمسألة إبنه. هاجمها. لم يكتف بالانسحاب منها, بل صار يشتمها إذا اقتربت منه. قال لهم: قتلتم ابني ولم تعطوه حقه الشرعي. فردّت عليه الجماعة: أنت من كان يقول انني اريد ان اغسل عاري بنفسي. سافرت وعدت ووجدت اننا اقمنا على إبنك الحكم الشرعي وعيّنا قاضياً خاصاً له. هذا كان ردهم عليه. لكنه وجد فريقاً آخر شجّعه ودعاه الى الانضمام اليهم وقالوا له ان جماعة الجهاد ضالة.
تسبّب إعدام الولدين بأزمة بين الجهاد والحكومة السودانية. قال السودانيون انهم لم يعرفوا بأن الجماعة قتلتهما. قالوا لهم: انتم ظانون أنفسكم ايه, دولة داخل دولة. حصلت مشادة بينهم. ورد الدكتور (الظواهري), بحسب الكلام الذي سمعناه عنه, بأننا ما كنا نُطبّق سوى شرع الله, وإذا لم نطبّقه على أنفسنا فإنه لا يصلح ان نطبّقه على الآخرين. وأضاف للحكومة السودانية: نحن ضيوف عندكم. انتم تطبقون مشروعاً إسلامياً, ونحن قمنا بواجب شرعي, فإذا ارتكب واحد منا جريمة لا بد ان نطبق عليه حكم الشرع. فإذا لم تطبّقوه انتم, يجب علينا نحن ان نطبّقه. وإذا لم نفعل ذلك, فالأفضل لنا ألا نكوّن جماعة إسلامية.
هنا رد السودانيون بطرد الجماعة وقالوا لهم: مع السلامة. قالوا: اعطونا فرصة لنأخذ نساءنا وأغراضنا. فرد السودانيون: لن نسلمكم إلى مصر, ولكن ارحلوا من هنا. لم يعطوهم فرصة لترتيب اوضاعهم. حملوا أغراضهم بسرعة ورحلوا الى افغانستان وتفرّقوا في الأرض. السودانيون لا يعترفون بذلك, لكن هذه هي الحقيقة.
انتقلت (جماعة الجهاد) والدكتور الظواهري الى أفغانستان في 1996, وهناك حصل تقارب كبير مع الشيخ أسامة (بن لادن) وتنظيم (القاعدة). وقد تُوّج هذا التقارب في بداية العام 1998 بإعلان تأسيس الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين. وقد عرفت بذلك من خلال قراءتي صحيفة (الحياة) او (القدس). ظننت البيان في البدء من الأمور المفبركة. لكن بعدما تقصّيت, علمت انه صحيح. لكنه كان حركة دعائية. لا لزوم له, بلا لون ولا طعم ولا رائحة. وركيك لغوياً وشرعياً. جلب البيان المصائب الى جماعة الجهاد خصوصاً, والجماعات الإسلامية بصفة عامة.
كان (أبو ياسر) (رفاعي طه, المسؤول السابق عن مجلس شورى الجماعة الإسلامية) وقّع البيان, لكنه انسحب منه بعد ضغط من جماعته. وكان يمكن الدكتور (أيمن) ان ينسحب بدوره ويقول انني غير مقتنع بالصياغة. لكن المروءة عنده والشهامة منعتاه من ذلك. لكن المشكلة ان الدكتور لم يستشر مجلس الشورى. وبحسب ما سمعت, فإنه لم يقرأ أصلاً البيان سوى على عجل, إذ اُعد بسرعة. لكن, أولاً, تأسيس مثل هذه الجبهة يحتاج الى دراسة قبل التوقيع. وثانياً: كيف يوقّع الدكتور على بيان مثل هذا وجماعته لا تعرف بالأمر. سألنا عن الموضوع فعرفنا ان معظم أعضاء مجلس شورى جماعة الجهاد لم يكونوا يعرفون بالموضوع. احدهم اقسم لي بأنه لم يعرف إلا بعد صدور البيان. قال بعضهم: كيف يتحالف (الظواهري) مع الشيخ أسامة بن لادن علماً ان جماعة الجهاد كانت أخذت موقفاً منه في السابق? فهو تركهم في باكستان عندما وقعوا في أزمة مالية ولم يترك لهم فرصة ليحلوا مشكلتهم. ولما نزلوا الى السودان اعتبروا ايضاً انه لم يتعامل معهم بشكل جيد في أمور كثيرة لا يريد الواحد ان يتكلم فيها. رد مؤيدو إعلان الجبهة بـ(أننا كلنا تحت لواء طالبان الآن, سواء كنا قاعدة او غير قاعدة).
صدر بيان الجبهة العالمية سنة 1998, وكان تنظيم القاعدة ينمو. ثم حصلت عمليتا نيروبي ودار السلام, واتُهمت القاعدة فيهما. لكن ذلك جرّ مصائب كبيرة الى (جماعة الجهاد). مجرد توقيع البيان تسبب في اعتقال كثير من المتعاطفين مع الدكتور او الاعضاء في تنظيمه.
ومن هذا المنطلق, كان واضحاً ان هناك ظروفاً اقتصادية وامنية وراء دخول جماعة الجهاد في هذه الجبهة. ذهب الدكتور الى أفغانستان وظروفه صعبة, والتضييق الأمني عليه كان عالياً جداً. كذلك قُبض عليه ستة شهور في داغستان ولم يعرف أحد بذلك. لم يعرف بذلك الاعضاء الاساسيون في جماعته (وهذه السرية لها ناحية ايجابية إذ لم تعرف المخابرات المصرية باعتقال الدكتور واحمد سلامة وشخص ثالث اسمه مسهل في داغستان). كان يمكن ترحيل الدكتور الى مصر أو إلى أي دولة أخرى بما فيها أميركا. لكن عندما خرج مع الرجلين المسجونين وهما من القيادات المهمة قرر العودة الى افغانستان على أساس انها البلد الأكثر أماناً له وللجماعة. لكن إمكاناته المادية لم تكن قوية, في حين يُلاحق رجاله حول العالم, وعنده اسر يتامى عليه ان يتكفّل بها. كان هناك محسنون يأتون من هنا وهناك ويساعدون الجماعة, لكن ذلك لم يكن مضموناً دائماً. اعتقد ان هذا كان سبباً جوهرياً في دخوله هذا الاتحاد مع الشيخ اسامة بن لادن وتأسيس الجبهة العالمية قبل ان يعلنوا لاحقاً ما سموه (قاعدة الجهاد), ما يعني ان جماعة الجهاد اتحدت مع القاعدة. هذا الاتحاد هو اتحاد الدكتور ومحمد صلاح وطارق أنور وثلاثة او اربعة اخوة آخرين من قادة جماعة الجهاد مع إبن لادن.
لكن قادة آخرين في جماعة الجهاد لم ينضموا اليهم, مثل الرجل الثاني ثروت صلاح. ثروت اختلف معهم عندما رأى انهم سائرون في المشروع (الوحدة مع (القاعدة)), فهو من المحافظين على المشروع القديم لجماعة الجهاد: أي انها جماعة مصرية لا تريد ان توسّع دائرة معركتها. رأى ان توسيع المعركة لتشمل أميركا أمر خطير, وانه يجب التركيز على مصر, كما في السابق. رأى ان الجماعة تتغير وانها لم تعد جماعة الجهاد التي يعرفها. صارت تقوم على أسس مختلفة الآن. في البدء كانت ترى ان قتال العدو الاقرب أولى بقتال العدو الأبعد, وان عقوبة المرتد اغلظ من عقوبة الكافر الاصلي, الاميركان والبريطانيين. كانت تعتبر ان الأهم مقاتلة المرتد لأنه السبب الذي جاء بالكفار لاحتلال بلادنا. لكن الجبهة العالمية غيّرت القاعدة: صار عندها قتال الاميركان قبل مقاتلة المرتدين في البلاد.
في النهاية, قرر ثروت صلاح ومجموعة معه البقاء على حالهم لكنهم لم يعلنوا ذلك. كانوا يريدون ان يبقوا كمجموعة مع اسرهم في أفغانستان. وكان سبق ثروت صلاح في العمل لوحده كاتب معروف من قادة الجماعة وكان يُعد من الأســاسيين ومرشحاً ليكون نائب امير الجماعة. وهو ترك الجماعة لخلافات في وجهات النظر. وعاش لوحده. وسار الدكتور وأنصاره في خط التوحد مع إبن لادن. وكانه هذه هي الحال عندما بدأت الحرب الأميركية على أفغانستان مما زاد في تشتت جماعة الجهاد التي لم تعد موجــودة إلا في السـجون المصرية ومشتتة في جبال أفغانستان.

كميل الطويل (4/9/2002 )
bullet.gif Maqreze في 09/27/2009 10:39 · · طباعة · ·
تعليقات
blog comments powered by Disqus





Copyright
2003-2015 Almaqreze Center For Historical Studies

Disclaimers
The postings in the Website do not undergo monitoring, and do not necessarily reflect Almaqreze Center views
Almaqreze Center claims no responsibility or liability to third party links or Articles or Books contained within Writers
Send mail to almaqreze2007@almaqreze.net with questions or comments about this website



SQL Injection Blocker. Copyright © 2009-2015 NetTrix. All rights reserved

Powered by PHP-Fusion copyright © 2002 - 2015 by Nick Jones
Released as free software without warranties under GNU Affero GPL v3

 Protected by : ZB BLOCK  &  StopForumSpam