1.png 2.png
**صنداي تليجراف البريطانية تفتري الكذب على الشيخ الدكتور هاني السباعي * وإعلام الضلال العربي يصدقها كالببغاء* ولا يكلف نفسه التأكد من مدى مصداقية جريدة صنداي تليجراف المعادية للمسلمين **
القائمة الرئيسية
bullet.gif الصفحة الرئيسية
bullet.gif مركز المقريزى الاعلامي
bullet.gif مكتبة المقريزي
bullet.gif مــقـــــــــــــــــالات
bullet.gif كــتـــــــــــــــــــــب
bullet.gif أخــبـــــــــــــــــــار
bullet.gif واحـة المنوعـــات
bullet.gif خُــطـــــــــــــــــــب
bullet.gif حـــــــوارات مكتوبة
bullet.gif بــيـــانـــــــــــــــات
bullet.gif شــعــــــــــــــــــــر
bullet.gif المركز
bullet.gif المدير العام د. هاني السباعي
bullet.gif سجل الزوار
bullet.gif مواقع
bullet.gif اتصل بنا
كتاب مجزرة رابعة‎

bullet.gif كتاب مجزرة رابعة‎
المقريزي موبايل

bullet.gif موقع المقريزي على موبايل
مركز المقريزى الاعلامي
ملفات في الموقع
bullet.gif محاضرات البالتوك

bullet.gif هل الموسيقى حرام؟

bullet.gif ملف الشهيد سيد قطب

bullet.gif القوس العذراء.. رائعة العلامة محمود محمد شاكر

bullet.gif اللقاء مع أعضاء منتديات شبكة الحسبة
مركز التحميل
bullet.gif حمّل المجموعة الكاملة للدكتور هاني السباعي ( مقالات - تحليلات - بحوث - أجوبه )تحديث 03-10-2008

bullet.gif حمّل مجموعة الحوارات التلفزيونيه للدكتور هاني السباعي
كتاب ننصح به
هاني السباعي على تويتر
سجل الزوار


مشاركات الزوار


إضافة مشاركة في سجل الزوار

إضغط هنا

المصالحة الوطنية محمد عطية الفيتوري

المصالحة الوطنية

مُقدِّماتها الفكرية ولوازم انعقادها

محمد عطيَّة الفيتوري

إن الحديث عن المصالحة الوطنية يتطلب مقدِّمات منطقية تمثل نقاط الالتقاء بين أبناء الشعب الليبي الأبيِّ وبين إخوته المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وتقريرات عن تركيبة الشعب الليبي، وعن ماهية المصالحة المنشودة ومكوناتها . وبناء عليه فإن ذلك يقتضي تقسيم هذا الموضوع على الفقرات الآتية:

الأولى:   النظرةُ إلى بني الإنسان .

والثانية:  درسٌ من السيرة .

والثالثة:  تركيبةُ الشعب الليبي .

والرابعة: المصالحةُ الوطنيةُ: بِمَ تكون؟ وكيف تكون؟

النظرة إلى بني الإنسان

هناك آية في كتاب الله تمثل الأساس الفكري لنظرة الإسلام إلى البشرية قاطبة، هي قوله جلَّ شأنه في سورة الحجرات:{يأيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليمٌ خبيرٌ(13)}. فكلُّ واحدٍ من البشر أَبوهُ آدم وأُمُّه حوَّاء، وكُلُّ واحد من البشر له أب وأم، فما من أحد منهم إلاَّ وهو يُدْلي بمثل ما يدلي به غيره من الناس، فلا معنى للتفاخر والتفاضل في الأنساب . أما قوله تعالى:{وجعلناكم شعوباً وقبائل}، ففيه إشارة إلى التقسيمات الستة المعروفة عند العرب، وهي: الشعب والقبيلة والعمارة والبطن والفخذ والفصيلة، فالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن تجمع الأفخاذ، والفخذ تجمع الفصائل، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقُصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة . وسُمِّيَت الشعوب بذلك لأن القبائل تشعَّبت منها . أما قوله عزَّ وجلَّ:{لتعارفوا}، فعلى معنى أنه قسَّمكم على شعوب وقبائل ليعرف بعضكم نسب بعض فلا يُعزى أحدٌ إلى غير آبائه، ولا أن تتفاخروا بالآباء والأجداد، وتدَّعوا التفاضل في الأنساب . فالهدف من هذا الترتيب إذن هو التعارف المؤدي إلى قيام المودَّة والرحمة والأُلفة بين الأمم والشعوب والقبائل، أما التفاخر بالآباء، والتفاضل في الأنساب فمآله حتماً إلى التناحر والتباغض والشنآن . بيَّنت الآية بعد ذلك ميزان الأفضلية بين بني الإنسان، فقال تقدَّست أسماؤه:{إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، فالتقوى هي الخصلة التي يتميَّز بها الإنسان على غيره، ويكتسب الشرف والكرم عند الله تعالى؛ ولكن الأفضلية التي تُنْشِئُها التقوى لا تمنح للإنسان حقّاً عند الناس يزيد على ما لغيره من حقوق، ولا تحرم من لا يملكها حقّاً أعطاه له القانون . لذلك يمكن القول إنها أفضلية معنوية لا مادية . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سَرَّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله"، والتقوى عند أئمة الاجتهاد هي شِدَّةُ الحب مع شدة الخوف من الله تعالى . ومعنى ذلك أنها انقياد كليٌّ فكريٌّ سلوكيٌّ شعوريٌّ لأمر الله تعالى ظاهراً وباطناً .

درسٌ من السيرة

قال تقدَّست أسماؤه في سورة آل عمران:{يأيُّها الذين آمنوا إن تُطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يرُدُّوكم بعد إيمانكم كافرين(100) وكيف تكفرون وأنتم تُتْلى عليكم آياتُ اللهِ وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هُدِيَ إلى صراطٍ   مستقيمٍ(101)} . ومُلخَّص سبب نزول هاتين الآيتين أن شيخاً يهوديّاً يُقال له: "شاس بن قيس"، كان عظيم الكفر، شديد الحقد على المسلمين، فمرَّ بنفرٍ من الأوس والخزرج فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من عداوة في الجاهلية، فأمر شابّاً من يهود بأن يعمد إليهم فيجلس معهم، ثم يُذكِّرهم بحرب بُعاث وما كان قبله من حروب بين الفريقين في الجاهلية، ويُنشدهم بعض ما تَقَاوَلَهُ أحدُ الحيين في الآخر ففعل، فقال الحيُّ الآخرون: قد قال شاعرنا في يوم كذا: كذا وكذا، فردَّ الآخرون: وقال شاعرنا: كذا وكذا، فتنازعوا، وتفاخروا ثم صاح بعضهم قائلاً: السلاح السلاح، فخرجوا للقتال، فكان الأوسي يقول: يا لَلأوس، والخزرجي يقول: يا لَلخزرج، وهي دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار من أصحابه، فقال:       " يا معشر المسلمين! الله الله، أبدعوى الجاهلية تقولون وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّفَ به بينكم، فترجعون إلى ما كنتم عليه كفَّاراً"، فعلم القوم بعد ذلك أنها نزغة الشيطان، وكيد عدوهم، فألقوا سلاحهم، وبكوا، وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أطفأَ الله عنهم كيد عدوهم، وأذهب عنهم دعوى الجاهلية وأرجاسها .

ظَلَّ هذا الدرس محفوراً في ذاكرة المهاجرين والأنصار يتذاكرونه، ويستفيدون من عظاته وعبره، وبما أنه نزل فيه قرآنٌ يُتْلَى، وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث تُروى، وسُجِّلت هذه الوقائع في كتب التفسير، والسنة المُطَهَّرة، والسيرة المعطَّرة، والتاريخ الإسلامي ... إن كلَّ ذلك يُبَيِّن أن العظة مازالت قائمة، وأن العبرة مازالت حاضرة، فطاعة أهل الكتاب في الماضي أو في الحاضر أو في المستقبل، والعصبية للقبيلة أو للآباء والأجداد، مقدمة لاستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، ومَئِنَّة على اختيار طريق الضلال بدل طريق الهداية، وانتهاج سبيل الغواية بدل سبيل الرشاد، علاوة على ما فيه من تشتيتٍ لشمل الأمة، وانفصامٍ لعُرَى وحدتها، ليعود أبناؤها إلى سابق عهدهم، قبل أن يتغمدهم الله تعالى برسالة الإسلام: أعداءً متفرِّقون، وخصوماً متشاكسون، لا يرقب أحدهم في أخيه إلاًّ ولا ذمة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قاتل تحت راية عُمِّية، يغضب لِعَصَبةٍ أو يدعو لعصبةٍ أو ينصر عصبةً فقُتِلَ فَقِتْلةٌ جاهلية"، وقال أيضاً: "ليس منا من دعا إلى عصبية"، وقال كذلك: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً . لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" .

التركيبة الفريدة للشعب الليبي

من نِعَمِ المولى سبحانه وتعالى على ليبيا أن لا وجود فيها لأديانٍ، ولا لنِِحَلٍ، ولا لطوائف، ولا لمِلَلٍ غير دين الإسلام، فالشعب الليبي كله يدين به، ومنه وحده تتكون عقيدتهم، وإلى شريعته وحدها يتحاكمون، فذلك هو واقع الأمر، وتلكم هي مقتضيات الأمانة التي حَمَّلنا إياها صحابةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا أتوا إلى هذه البلاد فاتحين، حاملين لأهلها رسالة القرآن، هداية الدنيا وفلاح الآخرة: عمرو بن العاص،  وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، ورويفع بن ثابت الأنصاري، وغيرهم من الفرسان الصناديد رضوان الله عليهم جميعاً .

دخل الليبيون بعد الفتح الإسلامي في دين الله أفواجاً، فتمازج العرب الفاتحون بسكان البلاد الأصليين وتصاهروا، فصاروا لحمة واحدة، ونسيجاً واحداً، فأقبل الناس على حفظ كتاب الله، والتفقه في دينهم، وصارت اللغة العربية هي لسان أهل البلاد ... كيف لا وهي لغة الفكر الإسلامي، ومفتاح تعلم ما ورد في الكتاب والسنة، وكلام أئمة الاجتهاد، وتعلمها يؤثر في العقل والخلق والدين، وهي لغة الوحي التي يقتضي الواجب  أن لاَّ يُنْظَر إليها كأي لغة أخرى، فبها يحصل العلم بالفرائض والواجبات والحلال والحرام، فلا تصح الصلاة ولا الذكر كالتلبية والتسمية على الذَّبيحة إلاَّ بها، ولا يُشْهَد بالرسوخ في علوم الشرع إلاَّ لمن ملك ناصيتها، وفوق ذلك هي اللغة التي اختارها ربُّ العزة لساناً يتكلم به أهل الجنة في الغرفات آمنين . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:        "تعلَّموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم". وقال أيضاً: "وإن العربية ليست لأحدكم بأبٍ ولا أُمٍّ، إنما هي لسانٌ، فمن تكلَّم العربية فهو عربي". وقال في حديث آخر: "أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآنُ عربي، ولسانُ أهل الجنة عربي" . قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم:            "فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب . فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يُفهم إلاَّ بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلاَّ به فهو واجب" .

فهذه هي لغة القرآن المجيد، وتلكم هي مكانتها في الشرع، ولذلك فإني أعجب من بعض إخواننا - وهُم مَنْ هُم جهاداً وفضلاً ونبلاً وأُخوةً ونخوةً ونجدةً - حينما يطالبون بأن تكون لغةٌ ميِّتةٌ لغةً رسمية لليبيـا مع اللغة العربية سواءٌ بسواءٍ، فهذا منطق لا يستقيـم شرعاً ؛ لأننا لو سلَّمنا بذلك، لنظرنا إلى مكونات الشعب الليبي الأخرى، فمنهم أُناسٌ أصولهم تركية، وأناس أصولهم شيشانية، وآخرون أصولهم ألبانية، وغيرهم أصولهم يونانية، فهل يمكن - بعد ذلك - رفض مطالب كل فئة من هذه التكوينات بأن تكون لغتها لغة رسمية إلى جانب العربية .. فإذا اعتمدنا هذا الاتجاه السَّقيم، فما الذي يتبقى من ليبيا العربية المسلمة الموحَّدة من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، ومن أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب؟ . إن العروبة في الإسلام ليست هي عروبة الجنس العربي، فتلك جاهلية مقيتة حاشا للإسلام أن يُقِرَّها، وإنما العروبة فيه هي عروبة الدين واللسان، فمن أسلم وتكلَّم العربية فهو عربي ولو كان من الصين .

إن ما تقدَّم ذكره هو خلاصة ما ترسخ في التصور الإسلامي عن نظرة الإسلام إلى مكونات الأمم والشعوب، وإلى الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه المجتمع، وإلى أن الحضارة الإنسانية الحقيقية العالية الراقية يجب أن تكون خلاصة مزايا ومكونات الجنس البشري برمته . ولك أيها القارئ أن تختلس نظرة إلى جهابذة علماء هذه الأمة الذين لن تنسى الدنيا فضلهم، فإن فعلتَ؛ فإنك سترى أن كثيرين منهم ليسوا عرباً بالنسب، وإنما هم عرب بالديانة واللسان، فمثلا من أئمة اللغة: سيبويه والسَّكَّاكي والفيروز ابادي، ومن أئمة الحديث: البخاري ومسلم وابن ماجة، ومن الفقهاء: الحسن وابن سيرين والسرخسي والسمرقندي وعكرمة مولى ابن عباس رضوان الله عليهم جميعاً .

العجب كل العجب أن يُعْرِضَ مسلمٌ عن لغة القرآن، ولسان أهل الجنان، ويلتمس في مقابر التاريخ لغة أخرى لا أساس لها. إن التمسك بالعربية هو صونٌ للتاريخ المشرق لأمتنا، وسببٌ لحفظ كتاب ربنا، وحفظٌ لهويتنا من الذوبان في مستنقع الغزو الفكري الاستعماري الآسن الذي يريد أن يأتي على الأخضر واليابس في بلادنا ... عِلْمُكَ - أيها المفضال - بلغة الوحيين، وصونك لها، وذَبُّك عنها هو سبيلك الوحيد لمعرفة فرائض دينك، والحفاظ على هويتك وتاريخك، وهو يعني في نهاية المطاف أن يكون جدك هو محمداً صلى الله عليه وسلم، وأمك هي خديجةَ بنت خويلد، وبقيةَ أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن جميعاً، فهل نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ .

إن ما سلف لا يعني مطلقاً إلغاء الموروث الثقافي الخاص بكلِّ مكوِّنٍ من مكونات الشعب الليبي أو مكوِّنات الشعوب الأخرى في الوطن العربي والإسلامي، فذلك حقٌّ لا يماري فيه أحدٌ، وإنما علينا أن نسلك ما سلكه أسلافنا من غير العرب الذين دخلوا في الإسلام، وأتقنوا لغته، فغدت هي لغة التفكر والتدبر والتعبد والتذوق عندهم، فذلك نبذٌ لما يُفَرِّق وحدة الأمة، وسدٌّ لمنافذ شياطين الإنس والجن كي لا يجدوا إلى ما يبتغون    سبيلاً .

المصالحة الوطنية

المصالحة لغةً من الصُّلحِ والصَّلاح، فالصلح بالضم معناه: السِّلم، والصَّلاح: ضد الفساد . والمصالحة تكون عادة بين فريقين متخاصمين . ومُلَخَّصُ الحالة الليبية أن ليبيا ابتليت بنظامٍ استعماريٍّ، وقف على رأسه طاغوت يهودي، خدع من انضم إلى تنظيمه الانقلابي من عسكريين ومدنيين، فنجح بمساعدة قوى دولية في الاستيلاء بالقوة على مقاليد الأمور، وشرع منذ اللحظات الأولى في عملية تخريب منظمة للمجتمع الليبي ومقدَّراته، وعملية تخريب منظمة كذلك لحركات التحرر من الاستعمار في الوطن العربي، وعمليات المقاومة المسلحة ضد الكيان اليهودي بفلسطين المحتلة . بدَّد النظام العميل ثروة ليبيا، وحرم شعبها منها بل قتَّل الليبيين، وأودعهم السجون والمعتقلات، وخرَّب التعليم في المدارس والمعاهد والجامعات، فظل الناس على امتداد أربعة عقود ونيِّف لا يسمعون إلاَّ رأياً واحداً، ولا يُعَلَّمون إلاَّ فكرة واحدة، وليس لهم إلاَّ قائدٌ واحدٌ لا مثيل له في  التاريخ ... فهو الصقر الوحيد الذي لولاه لما ذاقوا طعم الحرية (التي لا يعرفونها)، ولولا كفاحه ضد الاستعمار وأذناب الاستعمار، وشجاعته التي لا يملكها أحد، لما تحررت بلادهم ... إنه المفكر والأديب والمهندس والمعلم والثائر والقائد الأوحد، فهو الذي استطاع أن يحل المشكل السياسي في العالم، ويأتي بنظام بديع لا نظير له في التاريخ، وهو الذي بزَّ الدنيا بِحَلِّ المشكل الاقتصادي في العالم كله بكلمات قليلة، كما استطاع أن يحل المشكلات الاجتماعية التي تعاني من لولائها شعوب الأرض قاطبة بصفحات معدودة من نظريته العالمية الثالثة، فاكتشف أن الرجل ذكر والمرأة أنثى، وأن المرأة تحيض والرجل لا يحيض، وأن الطفل تربيه أمه، أما الشعوب فهي لا تنسجم إلاَّ مع فنونها وتراثها، فليس  عند هذا المخلوق شيءٌ اسمه الذوق الخاص، وليس هناك من قواسم مشتركة بين الشعوب، وليس هناك شيءٌ اسمه: تَعَطُّش أبناءِ كلِّ أمة لمعرفة موروثات غيرها من الأمم، وتأثرهم بعضهم ببعض، وأن ذلك من لوازم بناء الحضارة، وتجدد الثقافة ... أربعة عقود ونيِّف من الدجل والكذب والتجهيل والبهتان المبين، وظلمات الظلم والقهر والجبروت اللعين، فلمَّا بلغ الحزام الطبيين؛ أراد الشعب أن يجأر بالشكوى، ويُعلن سلميّاً رفضه للظلم الذي لحق به على امتداد سنوات حكم الهالك الأثيم، فخرج في مظاهرات سلمية على الجلاَّد المريض وأعوانه، فقوبل بوابلٍ من النيران، ونية مبيَّتة لإسكات صوته، وإخماد ثورته، فما كان من المنتفضين إلاَّ أن واجهوا الرصاص بصدور عارية، وجابهوا الطغيان بإرادة صلبة، وقاوموه بعزيمة قوية، فكشَّر الطاغية عن أنيابه أكثر فأكثر، وأعلن حرب إبادة ضد شعب بأكمله، فدمَّر المنازل على ساكنيها، والمدارس على تلاميذها، والأسواق على روادها، فأزهق الأرواح، وانتهك الأعراض، وفعل ما يتعفف عن فعله أكابر السَّفاحين، وأعتى المجرمين حتى فاق عدد القتلى والمفقودين مائة ألف إنسان . فهل واجه السفاح اليهودي انتفاضة الشعب بمفرده؟ . والذي يظهر لكلِّ منصفٍ أنه أعدَّ العدة لهذا الأمر منذ أمدٍ بعيدٍ، وقد مدَّ له يدَ العون قوى عديدة مكينة في العالم، فاستجلب المرتزقة ودرَّبهم، واشترى الأسلحة الفتَّاكة لاستعمالها وقت الحاجة مع انقياد بعض الليبيين، الذين باعوا أنفسهم للشيطان، انقياد الأعمى لأوامر هذا الطاغوت الجبان في تقتيل شعبهم، وانتهاك أعراض الرجال والنساء والولدان من أبنائه .

وبالنظر للأحداث والوقائع التي جرت على امتداد العقود الأربعة الماضية، فإني أَجزم بأن المراقب البصير يجد في هذه القضية فئات أربع:

الفئة الأولى:

الشعب الليبي بأكمله الذي عانى ما عاناه على يد الهالك الأثيم وزمرته من تقتيلٍ وتشريدٍ وسجنٍ وتعذيبٍ، وانتهاكِ حرمات، وتبديدِ أموال، وعمالةٍ للاستعمار، وتخريبٍ للعقول والنفوس، وتدميرٍ منظَّم للبلاد والعباد .

الفئة الثانية:

الهالك الأثيم، وأسرته القذرة، وأزلامه، وضباط وجنود كتائبه ومرتزقته الأنذال الذين عاثوا في الأرض فساداً، وهم من اقترف الجرائم التي ارتكبت في حقِّ الفئة الأولى، وينطبق هذا الوصف على كلِّ من شارك في حرب الإبادة ضد الشعب الليبي ولو بالتحريض أو بالكلمة أو بالإشارة أو بتضليل الرأي العام بأي وسيلة كانت .

الفئة الثالثة:

الذين خدموا الهالك الأثيم طيلة مدة حكمه، وشغلوا مناصب قيادية في حكومته القذرة، وغنموا من المال الحرام الذي كان يغدقه عليهم، وظلوا على ولائهم لدولته إلى أن شعروا بدنو أجل النظام، فقفزوا - على طريقة الفئران - من سفينة النظام التي أوشكت على الغرق، وركبوا السفينة الأخرى، وغدا كلُّ واحد منهم يتظاهر بأنه من رُبَّانها، العليم بكيفية إدارة دفتها .

الفئة الرابعة:

الذين تأثروا بالغزو الفكري الذي مارسته أجهزة الهالك الأثيم الإعلامية، ومناهجه التعليمية، وسمومه الثقافية، وضغوطه النفسية من ترغيب وترهيب، فانطلت عليهم أحابيله، فصاروا عمياً بلا بصر، صمّاً بلا سمع، ضالين بلا بصيرة، وبعض هؤلاء انخرطوا فيما يُعْرَفُ بحركة اللجان الثورية رهبة أو غفلة أو طمعاً دون أن يتلوثوا بدم أو أن يسرقوا من أموال الشعب، أما بعضهم الآخر فهم عوام الناس الذين غشيت أبصارهم الغفلة تأثراً بالأساليب التي سلف ذكرها .

ولكي أنتهج سبيل التصريح لا المجاملة والتلويح، فإنني أقول: إن من الفئة الثالثة أُناساً تولوا أعلى المناصب الرسمية بعد انتفاضة فبراير، ومنهم من حسب نفسه أنه من قادة النضال، ومنهم من ظن أنه من أعمدة التوجيه الفكري، والتنظير السياسي، فظهر على شاشات التلفاز (مُهَنْدَماً) يحاور ويداور ويناور، مبتسماً تارة، ومُقَطِّباً جبينه أخرى، ونسي هؤلاء وأضرابهم أن ألاعيبهم هذه لم تعد تنطلي على أحد، وأن أحابيلهم تلك قد كُشِفَ زيفها، فبطل السحر وانقلب على  الساحر، ذلك أنهم غارقون إلى آذانهم في جريمة التآمر على الشعب الليبي بسرقة ثرواته، وقتل وسجن وتشريد وتعذيب أبنائه، ونشر الرَّذيلة والفساد في مختلف ربوع ليبيا، والتمكين لحكم الهالك الأثيم . إننا نسمع الآن عنهم أنهم شرعوا في تجميع فلولهم لبناء مسجد ضرار يتمثل في حزب هجين بأموالنا المنهوبة، فخاب مسعاهم، وضل سعيهم، وأبشر بطول سلامة يا مربع .

لن يكون هناك تصالح ولا مصالحة بين الشعب الليبي وبين الفئتين المجرمتين الثانية والثالثة، وإنما يريد الشعب الليبي أن تجرى محاكمات لكلِّ من ينضوي تحت دائرة إحداهما: من قَتَل نفساً أو انتهك عرضاً أو جرح أحداً أو سرق مالاً عامّاً أو خاصّاً أو شارك في إيذاء أحد من أبناء الشعب الليبي في عهد الطاغوت الهالك، على أن تُوَفَّر لكلِّ متهم سُبُلَُ  الدفاع، ولا يُعاقب إذا أُدين إلاَّ بمقتضى أحكام القانون، فيُشفى بعدئذٍ غيظ من وقعت عليه الجناية بصورة مباشرة كما يشفى غيظ الشعب الليبي كله بعد ذلك .

الكلام الذي تقدَّم ينطبق على كلِّ من ارتكب جرماً في حقِّ أهلنا في نالوت أو في الزاوية أو في طبرق أو في الزنتان أو في سبها أو في الرجبان أو في غدامس أو في مصراتة أو في البيضاء أو في طرابلس أو في البريقة أو في الشاطئ أو في اجدابيا أو في زوارة أو في بنغازي أو في غير ذلك من مدن وقرى ونجوع الوطن الحبيب، قبل الانتفاضة أو بعدها .

أما الفئة الرابعة فهم أهلنا، وأبناؤنا، وإخواننا، واجبنا نحوهم هو أن نشدَّ على أيديهم، ونقدم لهم الفكر الراشد، والرأي السديد، والعلم النافع، ونزيل الغَبَشَ الذي على أعينهم، والران الذي على قلوبهم، ونربيهم على ذلك .

أما المصالحة الوطنية، وهي التي تكون بين قبيلة وقبيلة أو بين مدينة ومدينة أو بين قرية وأخرى في نزاع على أرض أو على مال أو على خلاف في الرأي تَشَعَّب حتى وصل إلى نزاع مسلَّح نشأ بعد الانتفاضة المباركة أو قبلها - أما المصالحة التي من هذا القبيل فإنها واجب شرعي، ومطلب إنساني تقتضيه وشائج القربى، وروابط الأخوة بين أبناء الشعب الواحد، لا مناص من الشروع فيه، والإسراع بإنجازه، فإذا أردنا لهذه المصالحة أن تكون حقيقية لا وهمية، فإنه لا بد من وضع الأساس المتين لها، وأساسها المتين هو اعتماد "برنامج" لإعادة الثقة بين الليبيين: بين كلِّ مدينة ومدينة، وبين كلِّ جهة وجهة، وبين كلِّ قبيلة وقبيلة، وبين القبيلة الواحدة ومختلف عائلاتها، وبين الأفراد في العائلة الواحدة، وبين الشعب والحكومة والمجلس الانتقالي المؤقت، فإن من الأخطاء التي اقترفها المكتب التنفيذي السابق، ومعه المجلس الانتقالي أن أموراً كثيرة جرت في الخفاء، وأن أخطاء عديدة ارتُكِبَت في حقِّ الشعب الليبي من وراء الأستار ثم ظهرت له بعد حين، ففقد الشعب الثقة في المكتب التنفيذي، وصرنا اليوم نسمع باهتزاز ثقة بعضهم في المجلس الانتقالي .

ولكنني أقول: عفى الله عمَّا سلف، فنحن نريد لمَّ الشمل، ونبذ الفرقة، وتوحيد الكلمة، ونطالب بأن تكون الأمور جلية واضحة أمام الشعب بغير مواربات، ولا مخادعات، ولا مراوغات فكل ذلك أصبح منبوذاً في عُرْفِ الجماهير، ومن يفعل ذلك من المسؤولين فلا يظلم إلاَّ نفسه . مشروع إعادة الثقة ضروري للمصالحة الوطنية الحقيقية المنشودة، فهي لا تقوم إلاَّ به، ولا تتأسس إلاَّ عليه، وبعد ذلك يمكن لنا أن نتصالح، وأن نتعانق، وأن نتصافح، لأننا حينئذٍ نكون قد انتزعنا من القلوب الغيظ والنفاق، ومن النفوس الحقد والشِّقاق، ولن تقف العقابيل بعد ذلك مهما كثرت أمام مروءة قبائلنا، وسماحة شعبنا، ونخوة أشياخنا، ونجدة أبنائنا، يشهد لهم بذلك من عرفهم في التاريخ القريب والبعيد .

* الأحد: 27/11/2011

bullet.gif Maqreze في 12/01/2011 12:09 · طباعة · ·
تعليقات
blog comments powered by Disqus





Copyright
2003-2015 Almaqreze Center For Historical Studies

Disclaimers
The postings in the Website do not undergo monitoring, and do not necessarily reflect Almaqreze Center views
Almaqreze Center claims no responsibility or liability to third party links or Articles or Books contained within Writers
Send mail to almaqreze2007@almaqreze.net with questions or comments about this website



SQL Injection Blocker. Copyright © 2009-2015 NetTrix. All rights reserved

Powered by PHP-Fusion copyright © 2002 - 2015 by Nick Jones
Released as free software without warranties under GNU Affero GPL v3

 Protected by : ZB BLOCK  &  StopForumSpam